الخميس، 15 نوفمبر 2018

العلم بين الحياد والتحيُّز

حسين علي البوابة

إننا نصف الشخص الموضوعى بأنه محايد، ونعنى بذلك أنه لا ينحاز مقدمًا إلى طرف من أطراف النزاع الفكرى أو الخلاف العلمي. فالعالِم ينبغى أن يقف على الحياد، بمعنى أن يعطى كل رأى من الآراء المتعارضة حقه الكامل فى التعبير عن نفسه، ويزن كل الحجج التى تقال بميزان يخلو من الغرض أو التحيُّز.

دون أية محاولة مسبقة من جانبه لتفضيل إحداها على الأخرى،
ه عندما ينحاز العالِم آخر الأمر، فلابد أن يكون انحيازه هذا مبنيًا على تقدير موضوعى بحت لإيجابيات الحجج وسلبياتها. والعالِم محايد بمعنى أنه يترك تفضيلاته الذاتية جانبًا، إذ إننا لا نستطيع بغير شك، أن نتصور عالِم نبات يهتم فى أبحاثه بزهرة معينة لمجرد كونه يحبها، أو عالِم حيوان يهمل نوعًا حيوانيًا معينًا لمجرد أنه لا يطيق شكله. 

والواقع أن اتجاه العلم الحديث كله، منذ أيام ديكارت، يوحى بهذا الرأي
أصبح العلم يقف على الطرف المقابل للقيم البشرية، ويؤكد استقلاله التام عنها. وأصبحت الروح الموضوعية ذاتها تعنى ترك القيم والمشاعر والأمانى البشرية جانبًا. وصار المثل الأعلى للمعرفة العلمية هو العلم الرياضي،
حتى أصبح للرياضيات اليوم دور أساسى فى العلوم الإنسانية ذاتها. وقد بالغ المذهب الوضعى فى تأكيد حياد العلم، إلى حد أنه جعل للعلم وللقيم ميدانين مستقلين بينهما هوة لا تُعبر،

غير أن هناك مَنْ ينكر على العلم حياده من حيث إنه معرفة، والمعرفة كأى كائن اجتماعى هى نظام متطور، هى كائن تاريخي. والعلم أيًا كان موضوعه نظام للمعرفة لا ينفصل عن النظام الاجتماعى الذى يتطور بداخله. ومن هنا فإن الحقيقة العلمية أيًا كان موضوعها ليست حقيقة مجردة على الإطلاق، بل هى تقوم على افتراضات متغيرة ومعلومات متجددة. ورغم اتصاف أساليب البحث فى العلوم الطبيعية بالدقة والإحكام، ورغم سعيها المستمر لتمثيل الطبيعة المعقدة، ومحاولة فهم تحولاتها وعملياتها، فإنها مع ذلك محدودة القدرات، ومعرضة للنقص والنسبية والتحيُّز. 

ويحاول «رجال العلم» التوصل إلى هذا المستوى «الأُنطولوجي» المتميز الذى يحقق لهم مستوى أعلى وأرقى من «الحقيقة»، من خلال إلزام أنفسهم بممارسة انضباط منهجى صارم، يقوم على التقيد بمواصفات المنهج العلمى التجريبى وحرفيته، مع الالتزام بشخصية العالِم الموضوعى «المحايد»، الذى يفصل بين عواطفه الشخصية وبين دوره البحثى والعلمي، والذى يمارس دور الملاحظ «المتجرد»، الذى يحافظ باستمرار على «تعاليه الإكلينيكي» عن موضوعات ملاحظته.

ويذهب بعض الباحثين إلى حد القول بأن هذا الانضباط المنهجى الصارم، وتلك الشخصية العلمية المتجردة، هما مجرد «نماذج مثالية» توجد فى كتب مناهج البحث، ولكن يتعذر وجودها فى واقع الممارسات الفعلية للبحث العلمى (لاسيما البحوث الاجتماعية). فالباحث مهما زعم بأنه محايد وموضوعي، لا يمكن أن ينكر أنه كإنسان مفكر يملك عالمًا خاصًا من المعانى والرموز، أو يملك نسقًا خاصًا ينشئ داخله حقيقته الخاصة التى تتضمن وتستند إلى تحيزاته الفكرية والشخصية الممّيزة، والتى تجعله يرى العالـم الخارجى بعيون غير محايدة أو بعيون مصبوغة بتلك التحيُّزات الخاصة. فالباحث لا يستطيع أن يزعم أنه يستقبل الواقع على شاشة بيضاء نقية مستعدة لاستقبال كل ما يصل إليها من معلومات حسية بموضوعية وانضباط «عداد جيجر» الذى يقيس شدة الإشعاع الساقط عليه.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق