الثلاثاء، 30 أكتوبر 2018

قصص السيرة

استاذ تاريخ حديث
رد خالد بسرعة: الراجل ابن... بينكر قصة الحمامتين والعنكبوت اللى كانوا على الغار وحموا النبى من الكفار اللى عاوزين يقتلوه.. وطبعًا كل الطلبة اللى معايا فى المحاضرة قالوا ده جاهل وكافر ومابيعرفش حاجة فى الدين.

طبعًا وقتها أنا كنت لسه طفل أو عيل صغير، وكانت بالنسبة ليا قصة الحمامتين والعنكبوت مش بس جزء من الدين، لأه دول الدين نفسه، يا نهار أزرق! حد يقدر يقرب للحمامتين والعنكبوت، ده أنا أكتر حاجة بسمعها وتخلينى أعيط من خطيب الجمعة قصة الهجرة
وحكاية الحمامتين والعنكبوت لدرجة إن كان عندنا صورة فى البيت مرسوم فيها الغار وعليه جوز الحمام والعنكبوت، فالعملية بالنسبة ليا دين بجد، العنكبوت والحمامتين خط أحمر يا أولاد الذين…
لهذا قلت فورًا، ودون تفكير: الراجل ده كافر وابن ستين... والمحاضرة الجاية اضربوه كلكم 
بـ… ده ربنا هيحرقه بجاز.








وكان مما فوجئت به عند البحث أن كثيرًا من القصص والحكايات التى كان يرددها علينا خطباء المساجد يوم الجمعة وبالتحديد فى ما يتصل بالسيرة النبوية، هى من الموضوعات التى لا أصل لها، أو على الأكثر من الضعاف التى لا يعوَّل عليها ولا يوثَّق فى حقيقة وقوعها، ومن ثم الاعتماد عليها فى التأريخ لسيرة ومسيرة النبى الكريم، عليه أفضل الصلاة والتسليم.


وللأسف كانت قصة العنكبوت والحمامتين من هذا النوع من القصص الضعيفة، فحسب رواية الإمام أحمد فى مسنده:

«… فاقتصوا أثره، فلما بلغوا الجبل خلط عليهم، فصعدوا فى الجبل، فمروا بالغار، فرأوا على بابه نسيج العنكبوت، فقالوا: لو دخل ها هنا لم يكن نسيج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ليالٍ».

وقد قال ابن كثير فى «البداية والنهاية»: «وهذا إسناد حسن وهو من أجود ما روى فى قصة نسج العنكبوت على فم الغار».



لكنه عاد فى كتابه «الفصول فى سيرة الرسول» ليقول: «ويقال والله أعلم إن العنكبوت سدت على باب الغار، وإن حمامتين عششتا على بابه». واستخدامه تعبير «يقال» وهو صيغة تضعيف وفقًا لمصطلحات علم الحديث، يعنى أنه لم يحسنها هنا، بل يفهم من كلامه خلاف ذلك.

وفى سلسلة الأحاديث الضعيفة، قال الشيخ الألبانى بعد أن ضعّف الحديث: «ثم إن الآية المتقدمة (وأيده بجنود لم تروها) فيها ما يؤكد ضعف الحديث؛ لأنها صريحة بأن النصر والتأييد إنما كانا بجنود لا تُرى، والحديث يُثبت أن نصره -صلى الله عليه وسلم- كان بالعنكبوت، وهو مما يُرى».

ويميل الألبانى إلى أن الجنود فى الآية هم الملائكة، وليس العنكبوت ولا الحمامتين، ولذلك قال البغوى فى تفسيره الآية: «وهم الملائكة نزلوا يصرفون وجوه الكفار وأبصارهم عن رؤيته».

وعلى ما يبدو فإن الكذبة والوضاعين لم يكتفوا بهذا، بل اخترعوا أيضًا حديثا نسبوه للنبى، ليؤكدوا به حقيقة قصة العنكبوت الذى حمى النبى من الوقوع فى أيدى المشركين. ففى مسند «الفردوس» للديلمى: «جزى الله -عز وجل- العنكبوت عنا خيرًا فإنها نسجت علىّ وعليك يا أبا بكر فى الغار، حتى لم يرنا المشركون، ولم يصلوا إلينا».
وهو حديث لا أصل له، وقد أورده الألبانى فى السلسلة الضعيفة، وقال عنه «حديث منكر».

ولكى يحسم الألبانى الجدل حول القصة كلها، ولا يترك فرصة لأحد، قال بمنتهى الوضوح والثقة: «واعلم أنه لا يصح حديث فى عنكبوت الغار والحمامتين على كثرة ما يُذكر ذلك فى بعض الكتب والمحاضرات».

تخيلوا هذه هى حقيقة القصة التى عشت طفولتى كلها كما عاش غيرى يطرب لها ويبكى لسماعها، وليتنى وقفت بها عند هذا الحد، بل ظننتها جزءًا أساسيا من دينى وإيمانى، فسارعت -كما سارع أخى الأكبر وزملاؤه- بتكفير المرحوم الدكتور عبد العظيم رمضان واتهامه فى دينه لأنه استخف بها واستنكرها. والحقيقة أنه كان يعلم ما لم نكن نعلم.
وإنى الآن وإن كنت أتفق أو أختلف معه -رحمه الله- فى كثير من قراءاته للأحداث التاريخية، وكذلك تنقُّله المحير فى مواقفه السياسية، فإننى بالقطع لن أختلف معه فى ما سبقنى إليه حول قصة العنكبوت والحمامتين.

اللهم أرِنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه.
ولا تجعلنا من المستكبرين.

فلم غزل البنات

الأمور فى الفيلم ملخبطة شأنها شأن حياتنا بالظبط، «بتاع الكلب لابس باشا والباشا لابس جناينى»، اللى بيعلّم الكلب بياخد 30 جنيهًا فى الشهر، ما يعادل تقريبًا 30 ألف جنيه الآن، بينما أستاذ حمام اللى بيعلم بنى آدمين مش لاقى ياكل وهدومه مقطعة، «أنا لو من 18 سنة بعلّم كلاب، كان زمانى دلوقت بقيت من الأعيان»!
 

ولأنه حظه سيئ، لذلك حتى عندما يبتسم له حظه يكتشف أن لزامًا عليه أن ينافق الباشا حتى لا يفقد وظيفته، حتى لو كان نفاقه هذا يقتضى منه تغيير قواعد اللغة العربية بذات نفسها، ينبغى عليه أن يوافق الباشا على أن «ما انحلَّ» من أخوات كان. فى البداية يعارضه، فينفعل الباشا عليه: «إنت مش عارف إن ما انحل دى من أخوات كان؟!»، فيهب الأستاذ حمام من فرط سذاجته مؤكدًا أنها «ولا من أخوات كان ولا من خالات كان ولا من عمات كان ولا تعرف مين كان دى خالص»، فيزمجر الباشا وينادى على مرزوق أفندى، فيتدارك الأستاذ حمام خطأه، ويحاول لمرة واحدة فى حياته أن يحسبها صح: «أيوه أيوه، ما انحل من أخوات كان مظبوط، بس أخوات مش شقايق، من أب تانى»، يضحك الباشا ويخبط على كتفه ويقرر رفع مرتبه من 7 جنيهات إلى 15 جنيهًا بحالها، ثم يحاول الأستاذ حمام التجويد والأفورة فى النفاق: «أيوه يا فندم، ما انحل، وأظن كمان ما انخلع»، وهنا يزمجر الباشا: «ما انخلع؟ خلع ضروسك، إنت هتبتدى تهجس بقى ولا إيه؟!»، الأستاذ حمام لا يعرف أن امتياز المعلومات الخطأ من حق الباشا وحده، الباشا هو الوحيد الذى من حقه أن يخطئ بمزاجه، وعلى الجميع اعتبار هذا الخطأ صح، أما الأستاذ حمام وشعبه، لو غلطوا، ولو حتى غلطة بسيطة، إما يموتوا وإما يتحبسوا وإما يتبهدلوا.

الخميس، 18 أكتوبر 2018

الفقه ومحمد داوود الطبيب

لم يُعرف كل من الفقه والتفسير والحديث على أنها علوم إلا بدايةً من القرن الثالث الهجرى

 بداية من عصر عمر بن الخطاب، فى الوقت الذى لم يكن فيه النص القرآنى متوفرًا بعد فى أيدى الناس، فلم يكن له وجود إلا فى صدور حفظته وبعض المخطوطات غير الكاملة هنا وهناك،

تتسلط على لساننا فى المحادثات اليومية تعبيرات وكليشيهات دينية ثابتة صارت جزءا أصيلا من بنية الكلام لا يمكننا الإقلاع عنها مهما حاولنا كأنها وسواس قهرى جماعى، أبرزها كثرة بالغة فى «الحلفان» والدعاء وتقديم المشيئة، وفى هذا المقال نتأمل ما وراء مبالغتنا فى القول: «إن شاء الله».

من أساسيات العقل الرجعى الاعتقاد فى شرط يتحكم فى الواقع من خارجه، هذا الشرط يتجلى فى مقولة مثل «المكتوب ع الجبين»، ويقال لوفاة طبيعية أو فى حادثة لشخص ما: «عمره كده»، و«النصيب»، و«ربنا عايز كده»، هذا وذاك قد يسمى فى التفكير غير الدينى الحظ والمصادفة، وربما نُسب الشر للحسد والسحر والجن، وقد يطلق عليه كلمات مثل القضاء والقدر والمشيئة الإلهية.


تتسلط على لساننا فى المحادثات اليومية تعبيرات وكليشيهات دينية ثابتة صارت جزءا أصيلا من بنية الكلام لا يمكننا الإقلاع عنها مهما حاولنا كأنها وسواس قهرى جماعى، أبرزها كثرة بالغة فى «الحلفان» والدعاء وتقديم المشيئة، وفى هذا المقال نتأمل ما وراء مبالغتنا فى القول: «إن شاء الله».

من أساسيات العقل الرجعى الاعتقاد فى شرط يتحكم فى الواقع من خارجه، هذا الشرط يتجلى فى مقولة مثل «المكتوب ع الجبين»، ويقال لوفاة طبيعية أو فى حادثة لشخص ما: «عمره كده»، و«النصيب»، و«ربنا عايز كده»، هذا وذاك قد يسمى فى التفكير غير الدينى الحظ والمصادفة، وربما نُسب الشر للحسد والسحر والجن، وقد يطلق عليه كلمات مثل القضاء والقدر والمشيئة الإلهية.
 
وحين يصاب شخص بمرض فكان التفسير هو بالسحر أو الحسد وما إليه مما هو تغييب للعقل وتغليب للخيال والخرافة، ولولا أن هناك من لم يستسلموا لتلك الرؤى لما اكتُشِفت الجراثيم مثلا كبعض أسباب المرض حيث القابلية للعدوى مشروطة بعوامل مختلفة فى جسم الشخص وبيئته، وقد يلتقط العدوى من غيره فى مكان جمعهما بعوامل أخرى، وهكذا بالمثل، إن قل محصول القطن عما ينبغى فهذا نتيجة عوامل هنا فى الأرض لعلها فى نوع التربة، فى التقاوى، فى طريقة الرى، فى دودة القطن، فى تغيرات مناخية احتمالية، كلها شروط قد نجهل بعضها، ووراء كل منها مجموعة عوامل أخرى، نحن دائما فى شبكة شروط تنتج الواقع وينبغى بحثُها بدلا عن استغلال جهلنا بها ضمن متاجرة الرجعية الدينية بكل شىء حتى آلام الإنسان وإشكالات وجوده، حيث لا يزال العقل الرجعى متجمدا عند تصوراته القديمة رغم تطور العقل البشرى وكشف العلم عن علل ظواهر كثيرة.


تعالى: «وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم». والله تعالى هو العادل،
 فإن يكن التصور الرجعى فى ذلك وفى ما يقال له فلسفيا معضلة الشر أن الفقر ابتلاء والغنى ابتلاء والمرض ابتلاء، والحياة كلها ابتلاء، فماذا عن معاناة طفل من مرض عضال أو تشوه خلقى؟ ما الذنوب التى يخلصها؟ وما العدل فى أن يسقط عامل من فوق سقالة فيصير قعيدا وهو العائل الوحيد لأسرته؟ مثل هذه الأطروحات ليست غير مسبوقة، قدم لها الفكر والفلسفة مقترحات مختلفة فى التاريخ البشرى عموما والإسلامى خصوصا، من ذلك نفى غيلان الدمشقى للجبرية وقوله بحرية الإنسان ومسؤوليته عن اختياراته، ربما كالوجودية.
وواقعا يحدث التمزق بين التأسيس الرجعى للعقل من جهة وما تمليه اللحظة وإرادة الحياة من جهة أخرى، لهذا مثلا الأطباء المصريون يدرسون الطب ويعالجون الناس بالعقل المستعار من الحضارة الغربية طبقا لشروط الواقع، لكنهم إن فشلوا قالوا: «إرادة الله»، والمريض بالعقل الرجعى ذاته يقول: «الشفاء ليس بالطب ولكن من عند الله» وظنه أن ذلك الشفاء كالمرض تدخل من المشيئة دون اعتبار لشروط الواقع، فلا تنتظر الإتقان والإبداع من مثل هذا الطبيب، ولا تتوقع من ذلك المريض الالتزام الجدى والدقيق بالعلاج والتعليمات، بالمثل يضعف التزام العمال بتعليمات الأمن الصناعى، والتزام السائقين باشتراطات القيادة الآمنة كحزام الأمان، ومثل هذا الموقف من عمال المزلقانات وسائقى القطارات ينتج حوادث السكة الحديد.
وهكذا، ما دمنا بالعقل الرجعى منتهى الصلاحية، ويدافع عنه البعض جهلا، وغفلة، وغرضا، وجمودا دينيا، فنحن متخلفون. تلك هى خطورة الرؤى الرجعية التى تحبط العقل وتقعد به عن بحث شروط الواقع، وتيسر له الهرب من المسؤولية، حتى ظهور السيارات تحمل مقولات مثل: «ليس لك من الأمر شىء»، «مش هيصيبك إلا نصيبك»، «وتجرى يا ابن آدم جرى الوحوش غير رزقك لم تحوش»، وما أكثر ما يماثل ذلك من نصوص تراثية خاطبت الناس على قدر عقولهم وقت ظهورها، وأهدر الخطاب الدينى الرجعى تاريخيتها متوقفا بتطور العقل عند مرحلة إنتاجها.

هناك قواعد للعملية الجراحية مثلا، وإن فشلت فلا يصح للجراح أن يقول لغير نفسه: «هذا أجل المريض المكتوب عند الله» أو «تلك إرادة الله»، مهما آمن الجميع بذلك، ينبغى أن لا يقال خارج الذوات الفردية وفى ما بين الناس تعبير دينى أى إيمانى غيبى أى ذاتى، يجب أن لا يتداولوا فى ما بينهم يعنى خارج ذات كل منهم إلا شروط الواقع، يعنى ينبغى تحديد سبب الفشل، فإن لم نستطع فلا نردد مقولات دينية، بل نقول: «لم نتوصل للسبب». كذلك حادثة السيارة لابد لها من علة أو أكثر، وعلى من يعبر الطريق أن يأخذ السيارات فى اعتباره، ومن يشيد عمارة لابد أن يلتزم بالشروط الهندسية.

ومن الفصامية المميزة للرجعية الدينية وآليات تحصينها الزعم بالجمع بين تصوراتها عن المشيئة وما يقال له رجعيا أيضا «الأخذ بالأسباب»، والتشدق بالحديث «اعقلها وتوكل» الذى أنتجه العقل المصرى فى مقولات مثل «اسعى يا عبد وانا اسعى معاك». المتحقق واقعا وراء كل النصوص والمقولات الرجعية بهذا الشأن جملة مفاهيم محصلتها الفاعلة هى التسليم بتدخل المشيئة الإلهية من خارج الواقع لفرض مسارات لا تبالى بشروطه. ولا يجدينا انتظار جودو تجديد الخطاب الدينى ليشيع بين الناس الاقتناع مثلا بأن الله وضع القوانين الكونية والواقعية، وأن كل ما تجرى به قوانين الواقع هو مشيئته من داخل ذلك الواقع لا تدخلا من خارجه وضد شروطه، الوقت لا ينتظر، وفى كل حال لن ينجح طالب فى الامتحان أو يرسب إلا حسب تلك الشروط، ولو كان منها احتمالات ظرفية كتعرضه لحادث طريق، أو التهاب فى الزائدة يوم الامتحان، إن كان المهندس قد راعى الاعتبارات الهندسية وسقطت العمارة التى بناها، فهناك مشكلة، هناك شرط أو أكثر فى الواقع، وعلينا تشغيل العقل لمنع تكرار سقوط العمارات مستقبلا، بدلا من الاستغلال الرجعى لمشيئة الله فى تبرير الجهل والخطأ والتقصير والإهمال.

لسنا هنا بالأرض فى مكان ولا مكانة يسمحان لنا بإدراك مشيئة الله، كأن يقول أحدهم: «شاء الله لزواجى الفشل» هذا الشخص فوق أنه يكف عقله عن بحث أسباب الفشل، يتوهم العلم بما لا يمكن إدراكه، ينبغى أن لا ندعى الإحاطة بالـ«ما وراء»، نحن فى هذا الشأن بحاجة للتواضع والإقلاع عن تداول الغيبيات الإيمانية، كتلك التى تعتقد بتدخل المشيئة الإلهية فى الواقع من خارجه وضد شروطه، علينا أن لا نحملها مساوئنا وأن لا نجعلها وسيلة لإحباط عمل العقل، هذا يعنى أن نقلع عن الخضوع للرؤى الرجعية لمثل قوله تعالى: «ولا تقولن لشىء إنى فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله»، «وإن من شىء إلا بإذنه»، «وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين».
علينا الكف عن استغلال «المشيئة الإلهية» فى أغراض منحازة للذات أو للجماعة، كالقول إن المشيئة هى التى جعلت الفريق الفلانى يخسر مباراة كرة قدم وكان هو الأفضل فيها، وقد علمنا أن من شروط واقع كرة القدم احتمالات إصابة الهدف من هجمة وحيدة على المرمى أو أن تخطئه هجمات عديدة، والذى يحدث على مدى بعيد أن الفريق الأفضل، الأكثر توافقا مع شروط الواقع، يفوز بالبطولة.
 
المبالغات المهووسة كالوسواس القهرى فى القول المنطوق «إن شاء الله» بين كل جملة وأخرى تليق بمجتمع بدوى قديم قائم على الخرافة يجهل العوامل المؤدية لكل شىء تقريبا فى الطبيعة، هذا زمن انقضى، تلك طبيعة مرحلة فى العقل علينا تجاوزها، وبمثل ما قد صار قولنا «إن شاء الله» تحصيل حاصل، فقد صار طريقة للتسويف وتمييع الأمور، حتى إن من ينوى التهرب من وعوده يقول: «إن شاء الله». تبلغ الوسوسة حد القول «إن شاء الله» على أشياء حدثت بالفعل، واخترع السلفيون القول: «بإذن الله» للماضى، وقد تسأل أحدهم عن اسمه فيقول: فلان إن شاء الله. وفى هذا خضوع مرضى لسلطة الرجعية الدينية المطلقة المحبطة للعقل والتفكير، المهدرة لقيم العمل والوقت، والجالبة للتخلف.



بدعة لفظ شيخ

وقد استخدمت كلمة «شيخ» كذلك بين الناس استخدامًا طريفًا، إذ ينادى على كل من أطال لحيته بـ«الشيخ» حتى ولو كان عمره عشرين عامًا، فالتدين فى هذا الزمن يقاس بالمظاهر

 نسمى رجال الدين بـ«الشيوخ»، وهم متمسكون بهذا اللقب الذى يرون أنه يعطيهم هيبة ووقارًا، أو على الأقل يعرف بمهنتهم على غرار «دكتور» أو «بشمهندس»، أو تميزهم وأفضليتهم على باقى العامة.

وأصبح العارف بالدين يلقب شيخًا، ومَن ينال هذا اللقب يُتوجه إليه بطلب الفتوى وإيضاح الأحكام الفقهية ويؤخذ كلامه على محل الثقة والتصديق.

ولكن كلمة شيخ فى اللغة لا علاقة لها من قريب أو بعيد بالدين، فالشيخ هو من أدرك الشيخوخة وهى غالبًا عند الخمسين من العمر متوسطةً الكهولة والهرَم، وهذا هو معنى الكلمة، وبه وردت فى القرآن الكريم فى قوله تعالى «لا نسقى حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير».

«إن شر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة فى النار»

وأن عرفنا أنه لم يكن لكلمة شيخ بالمعنى الذى يستخدمونه أصل فى الدين، ولم يقرها الرسول يومًا، أفلا تكون بدعة؟

ذلك فكلمة «شيخ» هى بدعة لا أصل لها فى الإسلام، انتقاها رجال الدين لارتباطها بالسلطة والتوقير، والتلقب بها فيه نوع من الاستعلاء والتسلط، إضافة إلى الابتداع وضعف المنطق.


هل هو دين تسليم العقل للفقهاء والعقل خاص بعلماء الدين فقط ونحن لا نعمل العقل مثلا المقال

 فهل قدمنا عقولنا قربانًا لرجال الدين الذين نذروا أرواحنا وعقولنا للموت المقدس فما عادت أرواحنا تنم عن إنسانيتنا 

فصار التسليم بما يقول رجال الدين هو دين هذه العقول الحقيقى ومذهبها، رغم أن أى شخص يقرأ القرآن سيجد أنه ملىء بالمفردات الدالة على ضرورة إعمال العقل؟ فعلى سبيل المثال، هناك 49 كلمة مشتقة من كلمة «عقل»، وهناك 19 كلمة مشتقة من كلمة «فكر»، و20 كلمة مشتقة من كلمة «فقه» بمعنى تدبر، و102 كلمة مشتقة من كلمة «نظر» والتى جاء معناها تفكر أو تدبر أيضًا فى مواضع كثيرة من القرآن، ولفظ «أولو الألباب» ذكر 16 مرة، كل هذا بالإضافة إلى الكثير من الآيات التى حملت بين طياتها حثًّا إلهيًّا على إعمال العقل والتفكير الحر غير المحدود.

تعتمد معتقداتهم فقط على النقل واتباع ما تحويه كتب الفقه دون أن يلعب العقل أى دور فى بناء هذا المعتقد الموروث ودون أن يلعب هذا العقل أى دور نقدى لهذا التراث والفقه، ومحاولة التعرف إلى ما يحويه من عوج
 لكن المضحك فى الأمر هو أن كل الفرَق الإسلامية والتى أغلبها من السُّنة والشيعة تجد أن نقد عيوب معتقداتهم أمر نكر وقد يصل إلى التكفير والخروج عن صحيح الدين، وفى الوقت ذاته تجدهم يرون ضرورة فى نقد معتقدات الفرَق الأخرى بواسطة نفس العقل الذى يمنعونه من نقد معتقداتهم،

 ويرون فى هذا كل الخير وأن هذا النقد هو السبيل الوحيد للوصول إلى صافى العقيدة وأصلها، والتى هى بضرورة الحال يجب أن تكون معتقداتهم هم لا معتقدات الآخر؛ فلذلك عليهم بذل كل الجهد لهدم معتقدات الآخر ونقدها. والمثير جدا عند قراءة التاريخ الإسلامى أنك تجد أن معظم الفرَق التى تعتقد بضرورة أن يحتكم العقل فى المسائل الظنية والتى لا يتوفر فيها دليل قطعى، قد أبيدت جميعًا ولم تستطع الصمود أمام فكرة تقديس النقد التى تبنتها الفرَق الباقية حتى يومنا هذا، الفرَق التى تعتبر نقد متون الأحاديث نقدًا لرسالة محمد ونوعًا من التشكيك فى دين الله، هذه الفزَّاعة التى صدرتها هذه الفرق لأصحاب المحاولات النقدية ما هى إلا محاولة منهم لإثناء الحركات التصحيحية للفكر الدينى، ومع أن العلم قد لاح فى الأفق منيرًا الطرقات لكل البشر والعصر قد تغير، فإن الفقه بقيت تتوارثه الأجيال كما هو، وبنفس صورته الأولى التى وجد عليها منذ البداية، وظنوا من يطلقون على أنفسهم علماء المسلمين أن حفظ النصوص داخل الكتب لقرون يُسمى علمًا، ونسوا أن العلم فى حالة دائمة من التغير والاكتشاف والنقد، أما هم ففى حالة دائمة من التحجر والتعصب لكل ما يحملون من نصوص تخالف بعضها بعضًا وتخالف النص القرآنى نفسه، فأصبح الدين نقلا فقط ولا عقل فيه، وقيلت المقولة الشهيرة: «كل من تمَنْطق فقد تزندق» وصار ما يطلقون عليه علوم الدين أشبه بالحرم المقدس لا يدخله غيرهم، هم المفوضون الرسميون لتوصيل كلمة الله لأتباعه ولا حق لغيرهم فى نقاشهم؛ لأنهم وحدهم الذين يعلمون ما يريد الله قوله، فضاع العقل بين جَنَبات الكتب المنقولة، ولكى يغلقوا باب العقل نهائيًّا؛ اخترعوا قاعدة تقول إن العقل لا يمكن أن يكون ميزانًا للتشريع بحجة أن كل ما هو معقول عند شخص أو جماعة قد لا يكون معقولا عند شخص أو جماعة آخرين، وصدروا فكرة أن الدين يجب أن يعتمد على النقل من النصوص حتى فى أتفه وأبسط الأشياء، فيجب على النص أن يرشدك بأى الأقدام تدخل الحمام وبأى اليدين تأكل وما يجب عليك قوله عند دخول الحمام وما يجب عليك قوله عند الخروج من المنزل وعند ركوب السيارة وعند ركوب البحر، كل شىء أصبح فى حاجة لنص، لكن ما فاتهم فى أثناء هذه الرحلة المقدسة من تحويل النصوص إلى أصنام تُعبَد من دون الله، عز وجل، هو أن أى نص يقينى الثبوت لا يمكن أن يخالف نصًّا آخر «يقينى الثبوت»، وهذا يعنى، إن صحَّ هذا اليقين فى ثبوت النص، استحالة تعارضه مع القرآن أو مع نص آخر يقينى الثبوت أيًّا كان مصدره.

بسم الله الرحمن الرحيم: «أفلا يتدبرون القرآن فلو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا». صدق الله العظيم «النساء: 82».

معنى هذا أن كل ما يختلف مع القرآن ومع النصوص المتفقة مع القرآن ليس من دين الله فى شىء، أفلا تعقلون؟!
مي سعيد

الأربعاء، 17 أكتوبر 2018

تراث الخرافات حاتم صادق

1- النكاح بأجر ليس زنا
فى كتاب المحلى لابن حزم، وتحت عنوان «مسألة: المستأجرة للزنا، أو للخدمة والمخدمة» روى الإمام ابن حزم بسنده أن «امرأة جاءت إلى عمر بن الخطاب فقالت يا أمير المؤمنين أقبلت أسوق غنما لى، فلقينى رجل فحفن لى حفنة من تمر ثم حفن لى حفنة من تمر ثم حفن لى حفنة من تمر ثم أصابنى، فقال عمر ما قلت؟ فأعادت، فقال: عمر المنكرة».فزنى بها فلا حد عليهما فى قول أبى حنيفة»ويشير بيده: مهر مهر مهر ثم تركها.


قال أبو محمد رحمه الله: قد ذهب إلى هذا أبو حنيفة ولم ير الزنا إلا ما كان عن مطارفة، وأما ما كان فيه عطاء أو استئجار فليس زنا ولا حد فيه».


ومعنى هذا الكلام أن أبا حنيفة قد أفتى بأن الرجل إذا استأجر المرأة للوطء، ولم يكن بينهما عقد نكاح، فليس ذلك بزنا، ولا حد فيه. والزنا عنده ما كان مطارفة.. وأما ما فيه عطاء فليس بزنا.


ونفس الكلام تقريبا جاء فى المبسوط للسرخسى: «رجل استأجر امرأة ليزنى بها 

3- سورة الأحزاب كانت تعادل سورة البقرة
فى «تفسير القرآن العظيم» المعروف بتفسير ابن كثير، وفى شرح الآية الأولى من سورة الأحزاب، نقرأ: «سورة الأحزاب وهى مدنية. قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدّثنا خلف بن هشام: حدثنا حمّاد بن زيد عن عاصم بن بهدلة عن زرّ قال: قال لى أبى بن كعب: كأين تقرأ سورة الأحزاب؟ أو كأين تعدّها؟ قال: قلت: ثلاثا وسبعين آية، فقال: قطّ، لقد رأيتها وإنها لتعادل سورة البقرة».


وفى تفسير «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبى بخصوص سورة الأحزاب، نقرأ: «مدنية فى قول جميعهم. نزلت فى المنافقين وإيذائهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطعنهم فيه وفى مناكحته وغيرها. وهى ثلاث وسبعون آية.

وكانت هذه السّورة تعدل سورة البقرة. وكانت فيها آية الرجم: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم».

حسب هذا الكلام فإن سورة الأحزاب كانت تعادل سورة البقرة فى الحجم والمساحة، ولكن النسخ قد أوصلها لنا بهذا الشكل الذى هو بين أيدينا.. وكأننا نقدم بأيدينا أقوى المبررات والأدلة الدامغة لمن يقولون بتحريف القرآن وعدم قداسة النص.


ولم يتحمل الشيخ محمد الغزالى رحمه الله مثل هذا الكلام ففى كتابه «نظرات فى القرآن» بعد أن فند مُبررات من قالوا بالنسخ والناسخ والمنسوخ يقول عن «الناسخ والمنسوخ»: «فضلا على كونه فهما خاطئا فهو جرأة غريبة على الوحى وظلم لكتاب الله».


ويقول أيضا فى كتابه «تراثنا الفكرى فى ميزان الشرع والعقل»: «وهذا كلام سقيم، فإن الله لا ينزل وحيا يملأ أربعين صفحة ثم ينسخه أو يحذف منه أربعا وثلاثين ويستبقى ست صفحات وحسب» ويضيف الغزالى: «وأنبه إلى أن ما يتصل بالقرآن لا يتحمل هذه الحكايات 


لماذا يغضب البعض حين نطالب بإعادة النظر فى كثير مما ورد بكتب التراث التى نحمل لها تقديرا وتبجيلا كبيرين، لكن دون أن نسقط فى وهم التعصب الأعمى والقداسة الموهومة؟

ولماذا بالتحديد فى الجانب الدينى للتراث يتم الخلط بين الإنسانى والإلهى؟ بحيث يتم إضفاء القداسة على ما ليس بمقدس، وتسقط الحواجز والمسافات بين النص السماوى والفهم البشرى غير المعصوم لهذا النص.. ومن ثم تتحول قراءات السلف واستنتاجاتهم وشروحاتهم إلى خطوط حمراء لا يمكن للخلف سوى التوقف عندها وعدم تجاوزها بأى حال من الأحوال.


ثم أليس من المفترض أن نعتبر أن «التراث» هو من الإرث أو «الورث»؟ وهو ما يعنى بوضوح حق الوارث الكامل فى التصرف فى ما آل إليه من ميراث. وكما يحق له أن يأخذ منه ما يريد، يجوز له فى ذات الوقت أن يدع أو يتخلى منه عما يشاء.. وظنى أن ذلك ينسحب بالضرورة على «التراث الثقافى والفكرى» الذى هو فى طبيعته منتج بشرى، لا يستساغ بأى حال من الأحوال أن يكون قيدا فى عنق الوارث، بحيث يفرض عليه جملة واحدة، دون أن يكون له كامل الأهلية والحق فى إعادة قراءته ووعيه والأخذ منه والترك، والتعرض له بالنقد بل والنقض إذا اقتضى الأمر ذلك.


وهنا سنحاول التوقف مع بعض ما ورد فى كتب التراث، لندلل على ما ذكرنا فى تلك المقدمة، ونترك للقارئ الحكم هل من الممكن أن يستجيب عقله لمثل هذه الأفكار والطروحات التى يستميت البعض فى الدفاع عنها والتبرير لها وكأنها نصوص مقدسة وآيات مُحكمة نزلت من عند الله.


1- النكاح بأجر ليس زنا
فى كتاب المحلى لابن حزم، وتحت عنوان «مسألة: المستأجرة للزنا، أو للخدمة والمخدمة» روى الإمام ابن حزم بسنده أن «امرأة جاءت إلى عمر بن الخطاب فقالت يا أمير المؤمنين أقبلت أسوق غنما لى، فلقينى رجل فحفن لى حفنة من تمر ثم حفن لى حفنة من تمر ثم حفن لى حفنة من تمر ثم أصابنى، فقال عمر ما قلت؟ فأعادت، فقال: عمر ويشير بيده: مهر مهر مهر ثم تركها.


قال أبو محمد رحمه الله: قد ذهب إلى هذا أبو حنيفة ولم ير الزنا إلا ما كان عن مطارفة، وأما ما كان فيه عطاء أو استئجار فليس زنا ولا حد فيه».


ومعنى هذا الكلام أن أبا حنيفة قد أفتى بأن الرجل إذا استأجر المرأة للوطء، ولم يكن بينهما عقد نكاح، فليس ذلك بزنا، ولا حد فيه. والزنا عنده ما كان مطارفة.. وأما ما فيه عطاء فليس بزنا.


ونفس الكلام تقريبا جاء فى المبسوط للسرخسى: «رجل استأجر امرأة ليزنى بها فزنى بها فلا حد عليهما فى قول أبى حنيفة».


3- سورة الأحزاب كانت تعادل سورة البقرة
فى «تفسير القرآن العظيم» المعروف بتفسير ابن كثير، وفى شرح الآية الأولى من سورة الأحزاب، نقرأ: «سورة الأحزاب وهى مدنية. قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدّثنا خلف بن هشام: حدثنا حمّاد بن زيد عن عاصم بن بهدلة عن زرّ قال: قال لى أبى بن كعب: كأين تقرأ سورة الأحزاب؟ أو كأين تعدّها؟ قال: قلت: ثلاثا وسبعين آية، فقال: قطّ، لقد رأيتها وإنها لتعادل سورة البقرة».


وفى تفسير «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبى بخصوص سورة الأحزاب، نقرأ: «مدنية فى قول جميعهم. نزلت فى المنافقين وإيذائهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطعنهم فيه وفى مناكحته وغيرها. وهى ثلاث وسبعون آية.

وكانت هذه السّورة تعدل سورة البقرة. وكانت فيها آية الرجم: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم».

حسب هذا الكلام فإن سورة الأحزاب كانت تعادل سورة البقرة فى الحجم والمساحة، ولكن النسخ قد أوصلها لنا بهذا الشكل الذى هو بين أيدينا.. وكأننا نقدم بأيدينا أقوى المبررات والأدلة الدامغة لمن يقولون بتحريف القرآن وعدم قداسة النص.


ولم يتحمل الشيخ محمد الغزالى رحمه الله مثل هذا الكلام ففى كتابه «نظرات فى القرآن» بعد أن فند مُبررات من قالوا بالنسخ والناسخ والمنسوخ يقول عن «الناسخ والمنسوخ»: «فضلا على كونه فهما خاطئا فهو جرأة غريبة على الوحى وظلم لكتاب الله».


ويقول أيضا فى كتابه «تراثنا الفكرى فى ميزان الشرع والعقل»: «وهذا كلام سقيم، فإن الله لا ينزل وحيا يملأ أربعين صفحة ثم ينسخه أو يحذف منه أربعا وثلاثين ويستبقى ست صفحات وحسب» ويضيف الغزالى: «وأنبه إلى أن ما يتصل بالقرآن لا يتحمل هذه الحكايات المنكرة».


4- عمر والنهى عن تعليم الكتابة للمرأة
وهى حقيقة مشهورة تسير فى ذات السياق المعادى للمرأة، أشار إليها ابن تيمية فى «مجموع الفتاوى» فى سياق شرحه لحديث: « إنا أمة أمية…».


وفى نفس المصدر المشار إليه سابقا، يواصل الغزالى دحضه لهذه الخرافة: «كما ذكر بعضهم أن عمر كان ينهى عن تعليم النساء الخط، وهذا أثر منكر وقد كانت ابنته حفصة رضى الله عنها كاتبة فلم علمها أو تركها تتعلم الخط إذا كان هذا لا يسوغ؟ ولم يبق إلا أن يقول أحمق: تعلمت الكتابة فى الجاهلية فلما جاء الإسلام نهى عن ذلك لأن الأمية جزء من غاياته ورسالاته!!».


5- المرأة نعجة أو شاة أو بقرة أو ناقة لأن الكل مركوب
تأمل ما جاء فى تفسير القرطبى فى آية «إن هذا أخى له تسع وتسعون نعجة ولى نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزنى فى الخطاب».


قوله تعالى: إن هذا أخى له تسع وتسعون نعجة أى قال الملك الذى تكلم عن أوريا إن هذا أخى أى: على دينى، وأشار إلى المدعى عليه. وقيل: أخى أى: صاحبى.

له تسع وتسعون نعجة.. . قال النحاس. والعرب تكنى عن المرأة بالنعجة والشاة، لما هى عليه من السكون والمعجزة وضعف الجانب.
وقد يكنى عنها بالبقرة والحجرة والناقة؛ لأن الكل مركوب.

وهذا من أحسن التعريض حيث كنى بالنعاج عن النساء.


هذا بالضبط ما جاء فى تفسير القرطبى!


6- حديث خلق آدم على صورة الرحمن
أخرج البخارى ومسلم عن أبى هريرة: «خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعا، فلما خلقه قال: اذهب فسلم على أولئك، نفر من الملائكة، جلوس، فاستمع ما يحيونك، فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه: ورحمة الله».


الإشكالية الكبرى فى هذا الحديث هى فى تحديد الضمير فى «على صورته» عائد على من؟
يقول ابن تيمية: «لم يكن بين السلف من القرون الثلاثة نزاع فى أن الضمير فى الحديث عائد إلى الله تعالى».


ومعنى هذا الكلام أن صورة آدم هى على صورة الله!


وحول هذا الحديث يقول شيخنا الغزالى فى «تراثنا الفكرى»: «وأمامى كتاب جيد الطبع ردئ المعانى عنوانه (عقيدة أهل الإيمان فى خلق آدم على صورة الرحمن)، لقد تساءلت: فما معنى قوله تعالى: (ليس كمثله شىء) إذا كان آدم على صورة ربه؟!.. ولو سمحنا لهذا الفكر أن ينتعش وتتسع مباحثه فسيقضى على الإسلام فى أنحاء العالم ويتعرض لهزائم ماحقة».


ويصل الغزالى إلى النقطة المهمة والحاسمة فى مثل تلك القضايا ليقول: «وإنما دفع إليها ما يحشده البعض من آثار موهمة لا صلة لها بالعقائد -ولو صحت- لأن العقائد مبناها على النصوص القطعية المتواترة».


وهكذا يعلنها الغزالى صراحة أن الأمور الاعتقادية لا تبنى إلا على اليقين حيث آيات القرآن الكريم قطعية الثبوت والدلالة وكذلك الأحاديث المتواترة، وليس على أحاديث الآحاد التى لا تفيد إلا الظن العلمى. وهو الموضوع الشائك والحساس
.

الاسراء والمعراج

فكيف لنا أن نقبل مثل هذا الكلام الذى تجرأ على الذات الإلهية فأظهر الله -عز وجل- لا يعرف عن إطاقة خلقه ما يعرفه أحد أنبيائه، فهل يكلف الله المسلمين خمسين صلاة وهو ما لا يطيقونه؟!
بسم الله الرحمن الرحيم «لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت» صدق الله العظيم.


فكيف يطلب منا مختلق الحديث التصديق بأن الله يفرض على أمة محمد ما لا تطيقه؟ وكيف يقلل مختلق الحديث من الرسول، عليه الصلاة والسلام، ويقص علينا قصة مثل هذه وكأن نبى الإسلام غير قادر على اتخاذ أى قرار وكأنه لا يعلم أى شىء عن أمته وغير قادر على اتخاذ أى قرار فى ما يخصهم، وينتظر ما يقوله موسى عن أمته وكأنه يعلمهم أكثر منه، بل ويتردد وينظر إلى جبريل مستأذنًا فى أن يذهب إلى الله حتى يفعل ما قاله له موسى؟ فهل نصدق مثل هذا الزعم؟ وهل يبدل الله قوله؟! تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا.