فهل قدمنا عقولنا قربانًا لرجال الدين الذين نذروا أرواحنا وعقولنا للموت المقدس فما عادت أرواحنا تنم عن إنسانيتنا
فصار التسليم بما يقول رجال الدين هو دين هذه العقول الحقيقى ومذهبها، رغم أن أى شخص يقرأ القرآن سيجد أنه ملىء بالمفردات الدالة على ضرورة إعمال العقل؟ فعلى سبيل المثال، هناك 49 كلمة مشتقة من كلمة «عقل»، وهناك 19 كلمة مشتقة من كلمة «فكر»، و20 كلمة مشتقة من كلمة «فقه» بمعنى تدبر، و102 كلمة مشتقة من كلمة «نظر» والتى جاء معناها تفكر أو تدبر أيضًا فى مواضع كثيرة من القرآن، ولفظ «أولو الألباب» ذكر 16 مرة، كل هذا بالإضافة إلى الكثير من الآيات التى حملت بين طياتها حثًّا إلهيًّا على إعمال العقل والتفكير الحر غير المحدود.
تعتمد معتقداتهم فقط على النقل واتباع ما تحويه كتب الفقه دون أن يلعب العقل أى دور فى بناء هذا المعتقد الموروث ودون أن يلعب هذا العقل أى دور نقدى لهذا التراث والفقه، ومحاولة التعرف إلى ما يحويه من عوج
لكن المضحك فى الأمر هو أن كل الفرَق الإسلامية والتى أغلبها من السُّنة والشيعة تجد أن نقد عيوب معتقداتهم أمر نكر وقد يصل إلى التكفير والخروج عن صحيح الدين، وفى الوقت ذاته تجدهم يرون ضرورة فى نقد معتقدات الفرَق الأخرى بواسطة نفس العقل الذى يمنعونه من نقد معتقداتهم،
ويرون فى هذا كل الخير وأن هذا النقد هو السبيل الوحيد للوصول إلى صافى العقيدة وأصلها، والتى هى بضرورة الحال يجب أن تكون معتقداتهم هم لا معتقدات الآخر؛ فلذلك عليهم بذل كل الجهد لهدم معتقدات الآخر ونقدها. والمثير جدا عند قراءة التاريخ الإسلامى أنك تجد أن معظم الفرَق التى تعتقد بضرورة أن يحتكم العقل فى المسائل الظنية والتى لا يتوفر فيها دليل قطعى، قد أبيدت جميعًا ولم تستطع الصمود أمام فكرة تقديس النقد التى تبنتها الفرَق الباقية حتى يومنا هذا، الفرَق التى تعتبر نقد متون الأحاديث نقدًا لرسالة محمد ونوعًا من التشكيك فى دين الله، هذه الفزَّاعة التى صدرتها هذه الفرق لأصحاب المحاولات النقدية ما هى إلا محاولة منهم لإثناء الحركات التصحيحية للفكر الدينى، ومع أن العلم قد لاح فى الأفق منيرًا الطرقات لكل البشر والعصر قد تغير، فإن الفقه بقيت تتوارثه الأجيال كما هو، وبنفس صورته الأولى التى وجد عليها منذ البداية، وظنوا من يطلقون على أنفسهم علماء المسلمين أن حفظ النصوص داخل الكتب لقرون يُسمى علمًا، ونسوا أن العلم فى حالة دائمة من التغير والاكتشاف والنقد، أما هم ففى حالة دائمة من التحجر والتعصب لكل ما يحملون من نصوص تخالف بعضها بعضًا وتخالف النص القرآنى نفسه، فأصبح الدين نقلا فقط ولا عقل فيه، وقيلت المقولة الشهيرة: «كل من تمَنْطق فقد تزندق» وصار ما يطلقون عليه علوم الدين أشبه بالحرم المقدس لا يدخله غيرهم، هم المفوضون الرسميون لتوصيل كلمة الله لأتباعه ولا حق لغيرهم فى نقاشهم؛ لأنهم وحدهم الذين يعلمون ما يريد الله قوله، فضاع العقل بين جَنَبات الكتب المنقولة، ولكى يغلقوا باب العقل نهائيًّا؛ اخترعوا قاعدة تقول إن العقل لا يمكن أن يكون ميزانًا للتشريع بحجة أن كل ما هو معقول عند شخص أو جماعة قد لا يكون معقولا عند شخص أو جماعة آخرين، وصدروا فكرة أن الدين يجب أن يعتمد على النقل من النصوص حتى فى أتفه وأبسط الأشياء، فيجب على النص أن يرشدك بأى الأقدام تدخل الحمام وبأى اليدين تأكل وما يجب عليك قوله عند دخول الحمام وما يجب عليك قوله عند الخروج من المنزل وعند ركوب السيارة وعند ركوب البحر، كل شىء أصبح فى حاجة لنص، لكن ما فاتهم فى أثناء هذه الرحلة المقدسة من تحويل النصوص إلى أصنام تُعبَد من دون الله، عز وجل، هو أن أى نص يقينى الثبوت لا يمكن أن يخالف نصًّا آخر «يقينى الثبوت»، وهذا يعنى، إن صحَّ هذا اليقين فى ثبوت النص، استحالة تعارضه مع القرآن أو مع نص آخر يقينى الثبوت أيًّا كان مصدره.
بسم الله الرحمن الرحيم: «أفلا يتدبرون القرآن فلو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا». صدق الله العظيم «النساء: 82».
معنى هذا أن كل ما يختلف مع القرآن ومع النصوص المتفقة مع القرآن ليس من دين الله فى شىء، أفلا تعقلون؟!
مي سعيد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق