الثلاثاء، 9 أبريل 2019

كيف نقرأ الأدب المنحط؟

في الرواية يقول ناجي: «وقعت في حبها (...) لكنني كنت قد تعلمت من تجاربي السابقة الكثير. ففي زمن كهذا لم يكن مسموحًا بالوقوع في الحب بتلك السهولة، أو الاستسلام لأشعة شمس الرومانسية حينما يعمي وهجها عينيك، وإلا فأحقر ميكروباص يعبر الطريق سيتكفل بدهسك وأنت مكانك معميٌّ من الحب. من يُعبرون عن مشاعرهم في هذه المدينة حتى لو كانت متبادلة كان مصيرهم السخرية، أو النظر إليهم كمصابين بالقذف السريع، لا يمكن الثقة في ردود أفعالهم، يجب أن تكون مثل الكائنات الميتة الباردة المحيطة بك في المدن. يقولون هنا: كُلْ ما تشاء، لكن عبِّر عن مشاعرك كما يريد الآخرون».
في هذه الفقرة يمكننا تخيل المجتمع المصري بين عالمين، عالم راسخ متحفظ لكنه متسق ومتماسكة فيه العناصر التي تؤسس تحفظه، وعلى الجانب الآخر يهبط صاروخًا جويًّا يحمل عناصر عالم فضائي آخر يخلخل انسجام العالم الأول.
ارتباط الدين الإسلامي بالقرآن، كنص مقدس موضوع في إطار إعجازي وممثل لجزء أصيل من الكيفية التي يعرض بها الخطاب الإلهي نفسه، ومحفوف بمخاطر التحريف، شكَّل نفسية تميل إلى محاصرة الخلق الأدبي ليبقى داخل أطر محددة ومتفق عليها.
هذا ما يجعل التعبير عن مشاعرك كما تريد أنت لا كما يريد الآخرون شيئًا خطيرًا، لأنه يهدد الصورة الثابتة التي تحاول الدولة والميراث الثقافي ترسيخها لمدة قرون، الصورة التي تُبقي الفن في صندوق مقفل، أولًا لكي تمتلك الدولة وحدها حق تعريفه، وثانيًا ليبقى النص المكتوب مُبعدًا عن تصرف الخيال الإنساني لرجل الشارع العادي.

الاحتفاظ بقدسية غامضة للنص المكتوب جزء من حماية النصوص الدينية المقدسة، ليبقى الاثنان على نغمة واحدة تستثير مناطق محددة من المشاعر وتبتعد عن مناطق أخرى. إذا فطنت الدولة أن انفصال النص الأدبي وتبنيه إيقاعًا غريبًا عن النص المقدس سيكون له أثر بالتبعية على قدسية النص الديني، أثر قد يصل إلى أزمة قلبية.
«1» اللغة الدارجة
أذكر في المرحلة الثانوية كيف كان منهج الأدب العربي عبارة عن منهج سلفي بامتياز
حدث ذلك في مطلع القرن العشرين، وكان من أبرز المنتمين للمدرسة أحمد شوقي. لكن في الوقت الذي كان يكتب فيه شوقي قصيدة تتحدى قصيدة البحتري، الرجل الذي عاش في القرن التاسع الميلادي، كان سيد درويش يغني للشعب.
عبَّر الاثنان عن شعور النفي والاغتراب، فاختار شوقي تكنيكًا أدبيًّا جاهزًا، ألفاظًا محفوظة في متحف حفريات، واختار درويش إبراز مأساة اغترابه باعتباره «شرِّيب حشيش». بكى شوقي في اغترابه على مروان الأموي، واحتفى درويش في غربته بالحشاشين والصعاليك. الأدب العربي إذًا كان معركة درويش وشوقي.
اللغة كلمات، لفظ مقروء له دلالة، تستدعي في ذهن القارئ صورًا وألفاظًا أخرى مرتبطة باللفظ الأول. لكن في الآداب العربية، الكلاسيكي منها والحديث، قد تجد ألفاظًا مقروءة تحمل دلالتها فقط داخل دفتي الكتاب، أي يستدعيها الذهن مع دلالات متخيلة لا وجود لها في اللغة اليومية ولا تعبر عن مشاعر أو أفكار تدور بداخله، يعيشها القارئ فقط وهو يقرأ ثم ينساها، ويستدعيها ثانية عندما يفتح الكتاب، ثم يكوِّن القارئ المتمرس حصيلة دلالات تخص الكتب والكتب وحدها.
الآن، مبروك: بقيت كائن فضائي شبه ألفاظ الكتب، ومنفصل عن العالم.
ما فعلته الموجة المصرية الجديدة من الأدب، بمحاولتها كسر إبعاد اللغة الفصيحة بتخفيفها ومزجها في لغة يومية معاشة وحية، أنها حولت النص من كونه ذا دلالة لقارئ الأدب المتمرس العليم بـ«لغة الأدب»، ليصبح نصًّا ذا دلالة للإنسان العادي العليم باللغة فقط، أعني اللغة المعاشة في الحياة اليومية وفي الجرائد ونشرات الأخبار، وفي المدرسة وعلى جدران البيوت وحوائط الحمامات العامة وأغاني المهرجانات الشعبية.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق