الجمعة، 28 ديسمبر 2018

فيلم "The Sunset limited": الوجودية

رجل كان على وشك أن يرمي نفسه تحت القطار، مقتنعًا بأن "العالم ليس سوى معسكر للعمل الإجباري"، ورجل آخر، أنقذه، ليقنعه بما يعرف أن العالم ليس سوى مرحلة العبور إلى الحياة الأبدية، وأن الإنجيل ليس سوى الكتاب الذي هو بحاجة إليه، وآخرون من "مريضي القلوب والحيارى". 
إيمان الرجل الأسود في فيلم The Sunset limited هو غاية يستمد منها وجوده، حيث يرى في نفسه جزءًا من مشروع كونيّ
 ولا يملك من الأفكار إلا تلك التي تحمل "رائحة الألوهية العذبة"، أي تلك التي يستنبطها من قراءته اليومية للإنجيل، وهو الكتاب الوحيد الذي يملكه في غرفته الصغيرة. ويتساءل إذا لم يكن في مكان يحتاج إلى المساعدة الحقيقية، فلماذا عليه أن يكون في مكان لا يحتاج أحد فيه مساعدته، وربما يكون فيه غريبًا أيضًا

 فهو لا يرى مبررًا لوجود العالم، ولا يجد سببًا لاستمرار هذه الطبيعة البشرية الفائضة عن الحاجة والتي يؤمن بحتمية زوالها، كما كان الأمر مع كل ما سبق في التاريخ. أما عن الرب، فليس سوى "الوهم الذي يغذي النقص الكامن في النفس البشرية"، وحاجة البشر الدائمة للشعور بالأهمية الكامنة في وجودهم.

عندما تقرأ تاريخ العالم، تقرأ تاريخًا مليئًا بالدم والجشع والمجازر، ومع ذلك، فإننا نتصور أن المستقبل  بصورة ما، سيكون مختلفًا

لدى بعض المثقفين في أوروبا والغرب عمومًا، وآخرين أيضًا، يبدو الهاجس بالغرب، أو الحضارة هو هاجس الخيبة الدائمة، في حاضر لم يستطع سوى أن يحطم نفسه، بقوى الحضارة الأكثر تدميرًا وقوة. كل ما ملكه الغرب والحضارة من قبل من "أشياء رقيقة" على حد وصف البروفيسور، هي الثقافة ومكوناتها، الموسيقى، الكتب، الشعر، المسرح، وكل شيء آخر هو مدمن عليه وآمن به من قبل. ليست رحلة هذا البروفيسور، سوى رحلة بدأها بالإيمان بهذه الأشياء الرقيقة، ومضى يبحث فيها طوال حياته وتبحث فيه بدورها، وتؤرقه طوال الوقت.

كيف تؤمن بما هو رقيق وضعيف لهذا الحد أمام أكثر قوى الحضارة تواضعًا في التدمير؟

"المعاناة هي ومصير الإنسان وجهان لعملة واحدة، وأن كل واحدة ليست سوى وصفًا للآخرى ولذا: "لا يمكن لك أن تكون سعيدًا إذا كنت في ألم متواصل، وليست حياة الإنسان سوى ألم متواصل، هذا إذا رأى الحقيقة كما هي دون أية أوهام". ويجيب الرجل الأسود بتساؤل، يتجاهل البروفيسور الإجابة عليه: "كيف تعرف متى تكون سعيدًا، إذا لم تكن متألمًا؟".

وهو اقتناعه بأن كل ما يراه حوله من جمال وخضرة وروعة، حتمًا هو زائل بلا شك. ويكتب فرويد، فيما بعد في كتابه "قلق الحضارة" عن هذا القلق بصورة متعاظمة أكثر، عن قلق الإنسان من زوال الحضارة، عن قلق الإنسان من الفقدان، من هاجس التدمير، من هاجس أن الحضارة أية حضارة، تحمل في أحشائها ما سوف ينهيها ويدمرها.

 البروفيسور بقوله: "أنت تحب الموسيقى، أليس كذلك؟"، يجيب:"أجل"، "من هو أعظم الموسيقيين لديك؟"، يجيب الرجل الأسود: "جون كولترين"، ويقول البروفيسور: "هل تعتقد أن أعماله ستبقى إلى الأبد؟"، ويجب الرجل الأسود: "للأبد وقت طويل بروفيسور عليّ أن أقول لا".
ويقول البروفيسور وكأنه قد وصل أخيرًا إلى مبتغاه: "أنت تتخلى عن العالم سطرًا بسطر، وتصبح متواطئًا في فنائك الذاتي، لا شيء بإمكانك فعله تجاه هذا الأمر، كل ما تقوم به يغلق بابًا في وجهك. وفي النهاية، يبقى لديك باب واحد فقط"، وهو الموت، أو العدم الذي يتوق إليه الرجل الأبيض.

والتي لا يرى أنه يراها من خلال وجهة نظر تشاؤمية، بل يراها كما هي، والتي يعتقد أن "التطور" الذي يدفع الإنسان في الحاضر إلى عبور مراحل ضمن أخرى، سيدفعه في النهاية، من خلال المخلوقات الذكية التي يصنعها إلى الوصول إلى حقيقة واحدة وحيدة أبدية وهي: "اللاجدوى".

 لكن النقاش كله يدور حول العالم نفسه، حول شكل هذا العالم تحديدًا، الذي إذا شاء الرجل الأسود، فليكن صانعه هو الله، وليكن كذلك. فإذا كان هذ العالم على هذا الشكل، وضمن هذه الصيرورة التاريخية المستمرة، من الجشع والقتل والصراع والسقوط والعلو للإمبراطوريات، واستبدال العبيد القدامى بآخرين جدد، وإذا كان العالم هذا ليس سوى: "معسكر للعمل الإجباري، حيث العمال بريئين تمامًا، يتم اختيارهم عن طريق اليانصيب بعشوائية مطلقة، ليتم إعدامهم"، على حد وصف البروفيسور، فلماذا الشقاء؟ ولماذا تحمل مشقة البقاء في هذا العالم، حتى ولو كان صانعه الله؟ 

وكأن البروفيسور هنا، يعيد صياغة كلمات إيفان كارمازوف، بطل رواية "الإخوة كارمازوف" للروائي العظيم دوستويفسكي، حينما يقول: "أنا لا أكفر بالله، بل إنني أرفض العالم كما صنعه هكذا، وأوطن نفسي على أنني لو استيقظت ذات يوم بعد موتي ورأيت الله، على أن أرفضه مرة أخرى حينما أراه"، ويرد إيلوشيا أخوه وهو جالس قبالته على الطاولة: "ولكن هذا تمرد!"، أجل، هو تمرد. البروفيسور هنا متمرد ليس على الله وحسب، بل على الحضارة التي تاق طوال حياته أن يكون جزءًا منها، وعلى رعايا الرب من البشر الخاطئين والصالحين على حد السواء، ولا يجد سببًا واحدًا للبقاء.

أما لماذا رجل أسود ورجل أبيض؟ ولماذا الرجل الأسود هو السجين السابق، الخاطئ، المؤمن، ضعيف العقل، قوي الإيمان، والرجل الأبيض هو البروفيسور الذي يحمل على أكتافه أعباء العالم ويبدو ضاجًا بالثقافة، ولديه أسبابه الراقية المترفة للانتحار، على حد وصف الرجل الأسود، والتي لو توفرت للآخرين الفقراء لانتحروا بمزيد من البهجة في قلوبهم؟



الاثنين، 19 نوفمبر 2018

تقسيم العالم العربى

لم تكن مصر طرفا فى المواجهات العسكرية، أو أحد ميادينها، ولا تجرعت الآلام الهائلة التى شهدتها تقتيلا وتخريبا، لكنها بدت مع عالمها العربى ميدانا سياسيا لصفقات مميتة استبقت نهايتها فى نوفمبر (1918).
جرى العمل على تقسيم العالم العربى وتفكيك قدراته ومنع أية فرصة ممكنة لتوحيده ـ اتفاقية «سايكس بيكو» (1916).
وجرى العمل على بناء وطن قومى لليهود فى فلسطين يتغول على حقوق أهلها ويعزل مصر عن المشرق العربى ـ وعد وزير الخارجية البريطانى «آرثر جيمس بلفور» (1917).
كانت الإمبراطورية العثمانية توشك على السقوط النهائى والصفقات الكبرى تسعى ـ قبل نهاية الحرب ـ لوراثة الرجل المريض.

كان العالم العربى مصيره ومستقبله موضوع الميراث.
دون أن تكون مصر على دراية بما يخطط فى الكواليس الدبلوماسية الدولية لمستقبل المنطقة ـ اندلعت فيها بعد أربعة أشهر من نهاية الحرب العالمية الأولى ثورة شعبية وضعت قضية جلاء قوات الاحتلال البريطانية على مسار تاريخى جديد.
كانت الحركة الوطنية بزعامة «مصطفى كامل» تمهيدا تاريخيا لا شك فيه لثورة (١٩١٩)، بزعامة «سعد زغلول».
تلخص عبارة بليغة لـ«مصطفى كامل» «من يفرط فى حقوق بلاده ولو لمرة واحدة فى حياته يبقى أبد الدهر مزعزع العقيدة سقيم الوجدان»، روحا جديدة ولدت من تحت ركام هزيمة الثورة العرابية التى أفضت إلى الاحتلال البريطانى لمصر عام (1882)، غير أن فعل ثورة (1919) جاء استجابة لحقائق ما بعد الحرب العالمية الأولى.


الجمعة، 16 نوفمبر 2018

اساتذة الكلية

جيل بقت السمة الغالبة عليه هو اعتقاده ان الطالب بالنسبة له خصم مش ابن ليه
و بدل ما كان فيه تواصل و تفاهم بين الجيل الكبير مع الجيل الأصغر بقى استخدام سلطة ( الأعلى ) في المنصب هو الأصل
و بدل ما تكون الامتحانات تقييم لفهم المعلومات أصبحت وسيلة للانتقام و التعجيز و إظهار ضعف الطلبة أمام جبروت الأساتذة و كأنهم بيتشفوا من الطلبة لسبب ما !
و بقت المجاملات بين الأساتذة في أبناء كل واحد قاعدة معروفة و مقررة لا تقبل الاعتراض أصلا

الخميس، 15 نوفمبر 2018

الخدمة الثقافية كالخدمة الطبية والتعليمية

فقدمت الهيئة المصرية العامة للكتاب آلاف الكتب بثمن بخس تحت مسمى مكتبة الأسرة، وأصبح من اليسير على المواطن أن يقرأ لطه حسين والعقاد ونجيب محفوظ وإحسان عبدالقدوس، كما وجدنا أمهات الكتب والموسوعات بين أيدينا، فأعيد نشر موسوعة «سليم حسن» عن الحضارة المصرية القديمة، وأعيد نشر كتاب «وصف مصر» بكامل أجزائه، و«قصة الحضارة»،


العلم بين الحياد والتحيُّز

حسين علي البوابة

إننا نصف الشخص الموضوعى بأنه محايد، ونعنى بذلك أنه لا ينحاز مقدمًا إلى طرف من أطراف النزاع الفكرى أو الخلاف العلمي. فالعالِم ينبغى أن يقف على الحياد، بمعنى أن يعطى كل رأى من الآراء المتعارضة حقه الكامل فى التعبير عن نفسه، ويزن كل الحجج التى تقال بميزان يخلو من الغرض أو التحيُّز.

دون أية محاولة مسبقة من جانبه لتفضيل إحداها على الأخرى،
ه عندما ينحاز العالِم آخر الأمر، فلابد أن يكون انحيازه هذا مبنيًا على تقدير موضوعى بحت لإيجابيات الحجج وسلبياتها. والعالِم محايد بمعنى أنه يترك تفضيلاته الذاتية جانبًا، إذ إننا لا نستطيع بغير شك، أن نتصور عالِم نبات يهتم فى أبحاثه بزهرة معينة لمجرد كونه يحبها، أو عالِم حيوان يهمل نوعًا حيوانيًا معينًا لمجرد أنه لا يطيق شكله. 

والواقع أن اتجاه العلم الحديث كله، منذ أيام ديكارت، يوحى بهذا الرأي
أصبح العلم يقف على الطرف المقابل للقيم البشرية، ويؤكد استقلاله التام عنها. وأصبحت الروح الموضوعية ذاتها تعنى ترك القيم والمشاعر والأمانى البشرية جانبًا. وصار المثل الأعلى للمعرفة العلمية هو العلم الرياضي،
حتى أصبح للرياضيات اليوم دور أساسى فى العلوم الإنسانية ذاتها. وقد بالغ المذهب الوضعى فى تأكيد حياد العلم، إلى حد أنه جعل للعلم وللقيم ميدانين مستقلين بينهما هوة لا تُعبر،

غير أن هناك مَنْ ينكر على العلم حياده من حيث إنه معرفة، والمعرفة كأى كائن اجتماعى هى نظام متطور، هى كائن تاريخي. والعلم أيًا كان موضوعه نظام للمعرفة لا ينفصل عن النظام الاجتماعى الذى يتطور بداخله. ومن هنا فإن الحقيقة العلمية أيًا كان موضوعها ليست حقيقة مجردة على الإطلاق، بل هى تقوم على افتراضات متغيرة ومعلومات متجددة. ورغم اتصاف أساليب البحث فى العلوم الطبيعية بالدقة والإحكام، ورغم سعيها المستمر لتمثيل الطبيعة المعقدة، ومحاولة فهم تحولاتها وعملياتها، فإنها مع ذلك محدودة القدرات، ومعرضة للنقص والنسبية والتحيُّز. 

ويحاول «رجال العلم» التوصل إلى هذا المستوى «الأُنطولوجي» المتميز الذى يحقق لهم مستوى أعلى وأرقى من «الحقيقة»، من خلال إلزام أنفسهم بممارسة انضباط منهجى صارم، يقوم على التقيد بمواصفات المنهج العلمى التجريبى وحرفيته، مع الالتزام بشخصية العالِم الموضوعى «المحايد»، الذى يفصل بين عواطفه الشخصية وبين دوره البحثى والعلمي، والذى يمارس دور الملاحظ «المتجرد»، الذى يحافظ باستمرار على «تعاليه الإكلينيكي» عن موضوعات ملاحظته.

ويذهب بعض الباحثين إلى حد القول بأن هذا الانضباط المنهجى الصارم، وتلك الشخصية العلمية المتجردة، هما مجرد «نماذج مثالية» توجد فى كتب مناهج البحث، ولكن يتعذر وجودها فى واقع الممارسات الفعلية للبحث العلمى (لاسيما البحوث الاجتماعية). فالباحث مهما زعم بأنه محايد وموضوعي، لا يمكن أن ينكر أنه كإنسان مفكر يملك عالمًا خاصًا من المعانى والرموز، أو يملك نسقًا خاصًا ينشئ داخله حقيقته الخاصة التى تتضمن وتستند إلى تحيزاته الفكرية والشخصية الممّيزة، والتى تجعله يرى العالـم الخارجى بعيون غير محايدة أو بعيون مصبوغة بتلك التحيُّزات الخاصة. فالباحث لا يستطيع أن يزعم أنه يستقبل الواقع على شاشة بيضاء نقية مستعدة لاستقبال كل ما يصل إليها من معلومات حسية بموضوعية وانضباط «عداد جيجر» الذى يقيس شدة الإشعاع الساقط عليه.


شيوخ الفضائيات

هذه القنوات لم تسهم فى محاربة الجريمة ولم تسهم فى محاربة الإدمان، ولن تسهم فى محاربة الغلاء وجشع التجار، سواء التجار الصغار أو الكبار، كما لم ولن تسهم فى تغيير سلوكيات المواطنين من شخص مستهلك إلى شخص منتج، إنما استطاعت هذه القنوات والشيوخ فيها أن يخلقوا مواطنًا أسيرًا لهم ولأفكارهم 

وأصبح الدين طقوسيًّا آليًّا حركيًّا، كل هذا وأكثر منه تجارة صنعها رجال الفضائيات لا لشىء إلا ليتكسّب من ورائها الكثير وأصبحت تجارة ليست مع الله ولكن مع رجال الأعمال الإسلاميين، الذين استغلوا حب الشعب الفطرى للتديُّن، استغلوا سطحية الكثير من المثقفين،

أضرار شيوخ الفضائيات على الدين، كما أراها، هى:
أولاً، جعلوا الدين مشاهد وليس دينًا معاشًا: الدين هو عبارة عن الممارسات السلوكية للمسلم
 بمعنى أنك تشعر أنك تقترب إلى الله بمجرد أن تحول القناة وتشاهد الشيخ فلان الفلانى وهو يلقى الدرس الخاص به، رغم أن الدرس ملىء بالأفكار السطحية

تحتمل الآيات الكريمة فى الكتاب التأويل والتفسير بما تحتمله اللغة العربية، فلا يمكن أن يكون هناك نموذج واحد فريد للدين وللتديُّن بل نماذج تتعدَّد بتعدُّد الأفراد المؤمنين بهذا الدين، فماذا فعل مشايخنا؟ قدَّموا نموذجًا واحدًا وكرروه وألحّوا وأصروا عليه واعتبروا أنه هو النموذج، وأعادوه مرارًا وتكرارًا حتى بقى فى أذهان الناس أن المتدين يجب أن يكون هكذا وبالصورة التى طرحها شيوخ الفضائيات، مَن اختلف مع هذا النموذج اختلف مع الله ومع مراد الله، ويلفظه المجتمع «مثال للفتاة الملتزمة المتدينة عبر النموذج المتقولب»، هى تلك التى تغطى كل جسدها وكلما زادت مساحة الجسد المغطى كان ذلك معيارًا للتقوى، لا شك أن الحجاب فرض، إلا أن تعريف الحجاب هو النموذج المقولب الذى رسخوه فى أذهاننا، شيوخ الفضائيات ارتكبوا هذه الجريمة وقولبوا لنا الدين ونمذجوا التديُّن.

كلما كان الخبر غريبًا وعجيبًا كلما تفنَّن شيوخ الفضائيات فى إلقائه على أذهان وآذان المستمعين، ليكسبوا متابعة ويكسبوا مشاهدين ويرتفع أجرهم، و«مش مهم المسلم ده مخه يضلم ولا يتكون عنده مضادات للفهم، أو تكبر عنده فرامل التفكير»، مش مهم، المهم العائد المادى

الثلاثاء، 30 أكتوبر 2018

قصص السيرة

استاذ تاريخ حديث
رد خالد بسرعة: الراجل ابن... بينكر قصة الحمامتين والعنكبوت اللى كانوا على الغار وحموا النبى من الكفار اللى عاوزين يقتلوه.. وطبعًا كل الطلبة اللى معايا فى المحاضرة قالوا ده جاهل وكافر ومابيعرفش حاجة فى الدين.

طبعًا وقتها أنا كنت لسه طفل أو عيل صغير، وكانت بالنسبة ليا قصة الحمامتين والعنكبوت مش بس جزء من الدين، لأه دول الدين نفسه، يا نهار أزرق! حد يقدر يقرب للحمامتين والعنكبوت، ده أنا أكتر حاجة بسمعها وتخلينى أعيط من خطيب الجمعة قصة الهجرة
وحكاية الحمامتين والعنكبوت لدرجة إن كان عندنا صورة فى البيت مرسوم فيها الغار وعليه جوز الحمام والعنكبوت، فالعملية بالنسبة ليا دين بجد، العنكبوت والحمامتين خط أحمر يا أولاد الذين…
لهذا قلت فورًا، ودون تفكير: الراجل ده كافر وابن ستين... والمحاضرة الجاية اضربوه كلكم 
بـ… ده ربنا هيحرقه بجاز.








وكان مما فوجئت به عند البحث أن كثيرًا من القصص والحكايات التى كان يرددها علينا خطباء المساجد يوم الجمعة وبالتحديد فى ما يتصل بالسيرة النبوية، هى من الموضوعات التى لا أصل لها، أو على الأكثر من الضعاف التى لا يعوَّل عليها ولا يوثَّق فى حقيقة وقوعها، ومن ثم الاعتماد عليها فى التأريخ لسيرة ومسيرة النبى الكريم، عليه أفضل الصلاة والتسليم.


وللأسف كانت قصة العنكبوت والحمامتين من هذا النوع من القصص الضعيفة، فحسب رواية الإمام أحمد فى مسنده:

«… فاقتصوا أثره، فلما بلغوا الجبل خلط عليهم، فصعدوا فى الجبل، فمروا بالغار، فرأوا على بابه نسيج العنكبوت، فقالوا: لو دخل ها هنا لم يكن نسيج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ليالٍ».

وقد قال ابن كثير فى «البداية والنهاية»: «وهذا إسناد حسن وهو من أجود ما روى فى قصة نسج العنكبوت على فم الغار».



لكنه عاد فى كتابه «الفصول فى سيرة الرسول» ليقول: «ويقال والله أعلم إن العنكبوت سدت على باب الغار، وإن حمامتين عششتا على بابه». واستخدامه تعبير «يقال» وهو صيغة تضعيف وفقًا لمصطلحات علم الحديث، يعنى أنه لم يحسنها هنا، بل يفهم من كلامه خلاف ذلك.

وفى سلسلة الأحاديث الضعيفة، قال الشيخ الألبانى بعد أن ضعّف الحديث: «ثم إن الآية المتقدمة (وأيده بجنود لم تروها) فيها ما يؤكد ضعف الحديث؛ لأنها صريحة بأن النصر والتأييد إنما كانا بجنود لا تُرى، والحديث يُثبت أن نصره -صلى الله عليه وسلم- كان بالعنكبوت، وهو مما يُرى».

ويميل الألبانى إلى أن الجنود فى الآية هم الملائكة، وليس العنكبوت ولا الحمامتين، ولذلك قال البغوى فى تفسيره الآية: «وهم الملائكة نزلوا يصرفون وجوه الكفار وأبصارهم عن رؤيته».

وعلى ما يبدو فإن الكذبة والوضاعين لم يكتفوا بهذا، بل اخترعوا أيضًا حديثا نسبوه للنبى، ليؤكدوا به حقيقة قصة العنكبوت الذى حمى النبى من الوقوع فى أيدى المشركين. ففى مسند «الفردوس» للديلمى: «جزى الله -عز وجل- العنكبوت عنا خيرًا فإنها نسجت علىّ وعليك يا أبا بكر فى الغار، حتى لم يرنا المشركون، ولم يصلوا إلينا».
وهو حديث لا أصل له، وقد أورده الألبانى فى السلسلة الضعيفة، وقال عنه «حديث منكر».

ولكى يحسم الألبانى الجدل حول القصة كلها، ولا يترك فرصة لأحد، قال بمنتهى الوضوح والثقة: «واعلم أنه لا يصح حديث فى عنكبوت الغار والحمامتين على كثرة ما يُذكر ذلك فى بعض الكتب والمحاضرات».

تخيلوا هذه هى حقيقة القصة التى عشت طفولتى كلها كما عاش غيرى يطرب لها ويبكى لسماعها، وليتنى وقفت بها عند هذا الحد، بل ظننتها جزءًا أساسيا من دينى وإيمانى، فسارعت -كما سارع أخى الأكبر وزملاؤه- بتكفير المرحوم الدكتور عبد العظيم رمضان واتهامه فى دينه لأنه استخف بها واستنكرها. والحقيقة أنه كان يعلم ما لم نكن نعلم.
وإنى الآن وإن كنت أتفق أو أختلف معه -رحمه الله- فى كثير من قراءاته للأحداث التاريخية، وكذلك تنقُّله المحير فى مواقفه السياسية، فإننى بالقطع لن أختلف معه فى ما سبقنى إليه حول قصة العنكبوت والحمامتين.

اللهم أرِنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه.
ولا تجعلنا من المستكبرين.