الخميس، 2 ديسمبر 2021

الكبت . الاغتصاب

  فرض العزوبة هذا ليس "طبيعياً" خصوصاً بالنسبة للذَكر، الذي تلحّ عليه هورموناته الطبيعية لممارسة الجنس.

قضية الآباء المغتصبين

ليست سوى صفحة من صفحات الفضائح الجنسية التي تطاول بيئات ومجتمعات لا تعاني من الحرمان الجنسي

 لو جُمعت لصارت برهاناً على التوحّش الذي يدير العلاقة بين الجنسين

في البيئة الفنية الهوليوودية، حيث لا مكان للتعفّف، الجنس فيها غبّ الطلب. ومع ذلك، صدّرت هذه البيئة أقوى فضائح الاغتصاب منذ بضع سنوات. ليس بطلها عامل نظافة مقهوراً، مفلساً، محروماً... إنما هارفي وينستين، ملك الإنتاج السينمائي الهوليوودي، ومقرّر مصائر النجوم والنجمات. ملكٌ من الطراز السلطاني. يتناول الشابّة الطامحة إلى دور، ويغتصبها بطريقةٍ من الطرق، عربوناً لدور تطمح إليه. لا تستطيع أن تحصر عدد أولئك الشابات. بالعشرات. من المحاكم تتدفّق شهاداتهن بوتيرة عالية، ضجّ بها الإعلام. وكان من نتيجتها إطلاق حملة "مي تو" على المستوى العالمي، التي تلاحق المغتصبين في مجالات السينما وغيرها. وينستين معاقَب الآن. يقبع في السجن، لثلاثة وعشرين عاماً.

البيئات التلفزيونية، والثقافية، والعائلات الميسورة، المرموقة، المتعلمة، وأسماء لامعة .. كلّها مصابة بلوثة الاغتصاب

بطلها دافيد ستروش خان، المرشّح اليساري لرئاسة الجمهورية بوجه ساركوزي اليميني، واغتصابه عاملة تنظيف في أحد فنادق نيويورك، واتهامها له، ومحاكمته، ودخوله السجن، وبعد ذلك، انسحابه من السباق الرئاسي، مكلَّلاً بعار أفلتَ الألسنة عن محاولاته السابقة لاغتصاب فلانَة وعلاّنَة ..

في المجتمعات المخملية التي تملك كلّ إمكانات التلذّذ بالمتع، شبكة استعباد مراهقات تائهات. تساعد شريكها على "التقاط" واحدة منهن. تعدها بأنّها سوف تنقذها، تحلّ مشكلاتها، فتجلبها إلى صديقها جيفري، الذي يغتصبها ويرميها في "سوقه" المخفي. سوق عبودية جنسية عصرية شديدة الإحكام. ومن بين "زبائنه" الأمير أندرو، ابن الملكة البريطانية إليزابيث الثانية. وجيفري أبشتاين انتهى منذ عامين منتحراً في زنزانته، أو مقتولاً على يد متورّطين في شبكته من أصحاب نفوذ، كما تقول أخبار أخرى محتملة.

في عالم الرياضة،

المهم أنّ البيئة "غير المحرومة" ليست أكثر طهارة من البيئة "المحرومة" "المعذورة" بأسبابها "التخفيفية". ويكون السؤال الذي لا بد منه: هل كان اغتصاب النساء قائماً بهذه الغزارة في العصور الماضية، كما هو اليوم، فيما نحن لم نقرأ عنه، ولم نسمع به، إلّا الآن؟ والجواب واحد من الاحتمالين:

إما أنّه كان منتشراً، وفي المجالات كافة، لكنّ السكوت العام عنه كان هو القانون، هو العقلية. أي أنّ أجساد النساء كانت منتهكة على طول الخط، بصفتها حصتهن "الطبيعية". قدر من الأقدار، لا مهْرب منه. وذلك أنّ صوت النساء، حاجاتهن، وجعهن الداخلي... لم يكن لها وجود. كنّ الجنس الأضعف، الأعزل من كلّ سلاح، إلّا سلاح الإغواء الذي "يفسّره" كثيرون أصلاً بصفته "دعوة" إلى الاغتصاب.

مجال واحد كان مستَثْنى من السكوت عن الاغتصاب، كما تنقل لنا كتب التاريخ: هو مجال الحرب. في كلّ الحروب، فتوحات، غزوات، انتصارات .. كانت أجساد نساء المهزومين أول ما يُنتهك. ثم تصنيف وضعية ضحاياه بصفتهن: سبايا، غنائم، عبيداً، جواري، ما ملكته الأيمان.. وفي أوضح الأحوال "حلالاً" على المنتصرين. وفي العصر الحديث، اشتهر اغتصاب مليوني ألمانية على يد جنود الجيش الأحمر السوفييتي، المنتصر، في نهاية الحرب العالمية الثانية. وهي من الارتكابات التي دفعت الأمم المتحدة إلى صياغة المادة الرابعة عشرة لاتفاقية جنيف عن أسرى الحروب، والتي تنص على واجب احترام الأسيرات من النساء "بكلّ الاعتبار الواجب لجنسهن"، وعلى "مساواتهن بالرجال بحسن المعاملة".

 الاغتصاب كان شائعاً مألوفاً في الماضي، أو أنّه ظاهرة معاصرة. ابنة التطوّرات. ليست التطوّرات التي لا يتوقف المستبدون الشرقيون عن إلقائها على كاهل الغرب وحريته وفرديته ومثْليته، وانفلاته على استهلاك الجنس .. إلخ. وإنّما تطوّرات تخصّ النساء بالذات، أعطتهن الكلمة والمكانة، التي لم يكنّ يتمتعن بها قبل هذا الصعود، أي قبل مائتي عام، عندما بدأت تصعد النساء في الغرب، تزامناً مع نهضته وثوراته، فصار الفرق الآن عن أمس، أنّه يتم الكشف عن الاغتصاب، وبوتيرة كثيفة، لا تكاد تلحق أخبارها.

لم نسمع في العالم العربي عن محاكمة أيّ مغتصب، أو معاقبته.

نوع من الحرب في العلاقة بين الجنسين، في العهد النسوي. لذلك، تتفاقم الفضائح وتتوالى. وتكاد أحياناً تكون خبراً "عادياً" من سمات العصر. لكنّ هذا كله يحصل في الغرب الديمقراطي، حيث بلغت النساء درجاتٍ عالية من التمكّن.

 لم يستطع حجب ديناميكية النسوية الغربية، والتي يعتبرها في كلّ الأحوال "انحلالاً أخلاقياً".

غلبة اللسان المقموع، واستباحة للنساء. يرعى الثلاثة؛ المشايخ ورجال السياسة ونجوم الفروع المختلفة، فضلاً عن الرؤساء، كلّ ألوان "الاغتصاب". مع أنّه، مثل الصين، لم يحمِ العالم العربي نفسه من المزاج النسوي بما فيه الكفاية، فكانت أصوات هنا وهناك، خافتة، خجولة. لكنّها موجودة. لكنّها نابضة واعِدة.

دلال البزري

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق