الاثنين، 28 مايو 2018

الملابس

"كانا كلاهما عريانين، وهما لا يخجلان". هكذا عاش آدم وحواء

فإن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: إذا كان التعري أمراً طبيعياً، فلماذا هذا "الهوس" بالملابس؟

تلعب الملابس أدواراً اجتماعية وثقافية، فهي ترسم الفروق المهنية والجنسية وتحدد الوضع الاجتماعي، كما أنها تعتبر شكلاً من أشكال الزينة ووسيلةً للتعبير عن الذوق والـ"ستايل" الخاص بكل فرد.
بالرغم من أننا ولدنا جميعاً من دون ثياب، فقد تربينا على ثقافة الخوف والخجل من أجسادنا وستر بعض الأجزاء منها كما لو أنها "عيب"، وهو الأمر الذي رفضه الناشط البريطاني ستيفن غوف، الحامل شعار"الحرية في أن تكون نفسك".
أحب غوف أن يكون عارياً لدرجة جعلته يخسر حريته، فقد أمضى هذا الرجل المتمرد على التقاليد والأعراف، حوالى 10 أعوام في السجن بسبب الكشف عن جسده العاري في الأماكن العامة.
واللافت أن هذا "المتجول العاري"، مَثُل أمام المحكمة من دون ثياب ووضِعَ في السجن الانفرادي بسبب رفضه ارتداء الملابس.
ويؤكد الباحث أن الملابس تفصل البشر عن البيئة وعن أنفسهم، مما يؤثر في نظرتهم إلى ذواتهم وإلى كيفية تفاعل أجسادهم مع العالم الذي يحيط بهم
وبخلاف اعتقاد البعض، فإن "إيان" ليس من دعاة التعري، إنما أراد تسليط الضوء على العواقب الوخيمة التي تنجم عن ارتداء الملابس بشكل روتيني منذ لحظة الولادة:" إن جلدنا هو ما يربطنا بالعالم المادي ويجعلنا ندرك وجودنا الجسدي، في حين أن الملابس تعطل هذه الروابط".
وقبل هذا وهذا، فإن القانون الساري في معظم الدول العربية يحظر، ليس العري فقط، بل أيضاً الزي الضيق والقصير، وأحياناً مجرد كشف الشعر قد يضعك تحت طائلة العقوبات.

"شعرت بالخجل ولكن وجدت نفسي"

تحكي محررة الرحلات راشيل كرانتز تجربتها الأولى في العري العلني، إذ وُجهت إليها دعوة لقضاء أربعة أيام عارية في منتجع هيدونيزم الثاني في نجريل جمايكا. وافقت بحماس، ولكن صديقاتها حين علمن أنها ستتعرى أمام غرباء لأربعة أيام امتدحن شجاعتها، وقالت لها صديقة إنها تشعر بالخجل من إظهار أعضائها الداخلية، كل ذلك حوّل إحساسها بالعري العلني من مجرد نزهة ممتعة إلى "فعل ثوري".
تقول إن نهديها صغيران، ولطالما رغبت في عملية تجميل خاصة بهما، ولكنها عندما اختبرت العري علناً أدركت كم أن نهديها جميلان، ورفضت أن تغير من هيئتهما. وتقول، عاقدة مقارنة بين شعورها بصدرها وهي عارية وبينها وهي مكتسية، إنها عندما ترتدي القميص للعشاء، لم تعد مضطرة إلى أن تبرز ثدييها، أو تزيد من حجمهما لتكون "مثالية"، إنها مرتاحة مع جسمها، لأنها كانت تنظر إليه عارياً طوال اليوم.
بهذه الروح قررت كرانتز أن تسير وراء انغماسها في المتع، واكتشفت أن الانغماس في المتع لا يعني، كما هو شائع، السعي الشره وراء الملذات، الذي يعقبه الأذى، فمن السهل جداً أن تكوني معتدلة في استمتاعك بملذات الحياة عندما لا يكون هناك وجود لفكرة الحرمان من الأساس.
مذهب المتعة "Hedonism" يعني أن تتبع رغباتها من دون أن تطلق أحكاماً، بمعنى آخر تعني "التمكين"، تمكين نفسها من فعل شيء.
فالحياة وسط أجواء تؤكد على سلطة الجسد وتحترمه، يُمَكّن المرأة من مشاعر وأشياء كثيرة، في مواجهة محاولات ما تسميه بـ"ثقافة الاغتصاب" لكبت أي احتمال للمرأة أن تدرك ذلك. إنه الخوف من الجسد الأنثوي، وما نحاول أن نفعله عبثاً هو التحكم في ما تسميه "الجنسية الأنثوية": "القوة الجميلة وغير القابلة للتوقف".
لماذا يثير العري استجابات عديدة ومتناقضة من الإذلال إلى الاستمتاع؟
قديماً، في اليونان، كان المتنافسون في الرياضات الأولومبية عراة، ورجال الدولة والآلهة يتم تصويرهم عراة، وكلمة الجمنايزيوم صالة الألعاب الرياضية، كانت تعني "عارٍ". وفي إسبارطة، كانت النساء يتنافسن في حالة من العري، ولكن في ولايات أخرى حظر على النساء المشاركة إذا شارك في المسابقة ذكور عراة.
وقبل اليونانيين، هناك حكماء وادي أندوس في غرب الهند، وهم بحسب كار جومن أول من جمع بين العري والقداسة. وكانت فلسفتهم رفض كل المتعلقات الدنيوية، وهذا تقليد يحمله إلى اليوم أصحاب ديانة الجينز الهنود، الذين يعتقدون أن الطريق إلى الحرية والبركة يتمثل في اتباع حياة لا ضرر فيها وتتميز بالزهد، وبعض الرهبان يظلون عراة ليتجنبوا قتل كائنات حية صغيرة عبر غسيل الملابس. ومؤخراً أصدر عدد من مجالس المدن الهندية قوانين داخلية تحظر العري العلني حتى لو كان لأسباب دينية.
في العصر الحديث، انتشرت حركات كثيرة تدعو إلى العري العلني ولكن في سياق العودة للانسجام مع الطبيعة، أشهرها "أولاد الطبيعة"، التي جلبها إلى أمريكا الألمان المهاجرون في سنوات ما قبل الحرب العالمية الثانية. فقد دعت الحركة إلى العودة لنمط الحياة الطبيعي، ومارس أفرادها حياتهم بشكل نباتي، فتناولوا وجبات غذائية طبيعية، لم تتدخل فيها يد بشرية. وعاشوا في الجبال، وناموا في الكهوف والشجر، وتطور عن هذا الحراك إلى حركة الهيبيين في ستينات القرن المنصرم.
ويخلص كار جومن إلى أن تاريخ الإنسان مع جسده مثير للسخرية، وهو أوضح مثالاً على النرجسية التي تميز الإنسان عن الحيوانات، وكيف أننا مهووسون بأنفسنا، نعري جسدنا لإثبات وجودنا تارة، كالحالات التي استعرضناها، أو لتوكيد سلطتنا على الآخرين، وفي حالات أخرى نرتدي أزياء معينة لإثبات خضوعنا للنظام والمجتمع.
تشيلسي كوفينغتون (27 عاماً)، ناشطة أمريكية تكافح لجعل العري العلني طبيعياً، وتجرب ذلك في الولايات التي تجيز قانوناً تعرية الصدر. اختبرت أيضاً التعري، ومشت حاسرة الصدر بين الرجال والعائلات مختبرةً "القوة الجميلة وغير القابلة للتوقف" لجسدها العاري.
تقول كوفينغتون إن معظم الناس محايدون، منهم من ينظر فقط، وآخرون لا ينظرون. وتضيف: "أحاول أن لا أتحدى الناس، أريد من الناس، أياً كانت ردود أفعالهم التي سيتخذونها، أن يشعروا أنني لا أحكم عليهم، أريد فعلهم الداخلي، لا أريدهم أن ينظروا إلي نظرة "وماذا بعد؟" لا! هذه ليست أنا، وهذا ليس هدفي، أريد أن يُنظر إليَ ككائن إنساني، لي حقوقي المحمية، لذا لا أنخرط مع الناس ما داموا لا يتحدثون إلي، وهذا حدث عدة مرات".
عندما تذهب إلى ولاية، تسأل الشرطة إذا كان القانون يجيز أن تعرّي صدرها أم لا، وكانت ردود أفعال ضباط الشرطة مختلفة بحسب الولاية، وهم كانوا يقابلونها في العاصمة واشنطن ويقولون لها: "جائز قانوناً أن تعري صدرك ولكن ذلك غير معقول".
ما إذا كانوا يتقبلون عريه، ثم نزل إلى الطريق السريع عارياً وعلى ظهره كتب: "لقد ولدت عارياً وهكذا أنت".
وسار ميلاً ونصف الميل عارياً، قبل أن توقفه الشرطة وتطلب منه أن يضع شيئاً يغطي به جسده. وعندما دخل إلى جامعة كاليفورنيا في بركلي، عُرف بالرجل العاري، فذهب إلى الحفلات عارياً، وحضر دروسه عارياً، واعتدى عليه بعض الناس وهو عارٍ، لكن جسده لم يتأذ كثيراً، فقد كان طويلاً وذا عضلات، لعب كرة القدم في الثانوية، واشترك في فريق الجودو في الجامعة.
كان يرى مارتينيز، بحسب تقرير نشرته "نيويورك تايمز"، أن الملابس كلها شكل من أشكال القمع، وسعى عبر خروجه عارياً إلى أن يدفع الناس إلى التفكير حول “الطبيعة القسرية للاتفاق على عدم التعري”، وقال مرة في محاضرة في جامعة بيركلي: "هدفنا هو أن نبرهن أن الناس يُعرّفون الحياة الطبيعية بشروطهم الخاصة".
أشادت بمارتينيز الكاتبة النسوية ناعومي وولف، واعتبرت أنه جعل من نفسه أكثر عرضة للعين مقارنة بالنساء.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق