لم يكن فيلم بحب السيما مجرد صرخة في وجه التزمت الديني واللامنطقية التي يتعامل بها رجال الدين والذين يودون فرض هذه الـ “لا منطقية” كأنها المنطق والترويج إليها باعتبارها أسمى ما يمكن للعقل البشري الوصول إليه، بل أعتقد أن مشكلة الفيلم الأساسية هي السلطة، هي كل هؤلاء الأشخاص الذين يودون فرض الوصايا علينا بحجة أنهم أكبر سنًا/ أكثر حكمة/ أوسع علمًا/ أغزر معرفةً/ أثرى تجربة..
الفيلم يرفض الوصايا ويحاول أن يفتح نافذة على الحرية، يدعو إلى الخروج من ضيق الطقوس الدينية إلى معانقة الحياة وممارسة حبها.
أحداث الفيلم تدور في حي شبرا قُبيل نكسة 67، وهنا يقوم الفيلم بتوصيل الجو التاريخي بما زامن هذه الفترة من غليان وحِراك سواء على المستوى الثقافي أو الاجتماعي أو السياسي لا في مصر وحدها بل في العالم أجمع، لاسيما وأن حقبة الستينات قد شهدت ثورة على المفاهيم القديمة وهدم الأسس التقليدية لرؤية العالم للحب والجنس وغيرها.
هذه هي القشرة السطحية لعناصر الأسرة، الوالد والوالدة.. لكن في الحقيقة، وراء تزمت الأب وتعصبه الديني لدرجة أنه يقوم بتخويف ابنه من السينما وتحذيره من دخول النار بطريقة شديدة الرعب والترهيب، إلا إنه في الحقيقة توّاق للخطيئة وفي نفس الوقت يمتلئ بالخوف من النار والعقاب الإلهي، وذلك يبدو من صلاته الصباحية، والتي تطل علينا بشكلٍ كوميدي أكثر منه درامي..
حيث يتمنى الأب لو عاش في الخطيئة طيلة حياته ثم تاب قُبيل مماته مباشرة وبذلك يدخل الجنة فيكون قد نال متع الدنيا والمتمثلة في كل الخطايا التي يُحرمها على نفسه ويُحرّمها أيضًا على أبنائه وزوجته، وأيضًا نال متع الآخرة بدخوله الجنة وهو طاهر تائب، ويصف ذلك قائلاً: “أهي عسل دي يا رب”؛ مما يثير ضحك ابنه الذي يتلصص عليه من خلف النافذة.
هذه الرؤى المتناقضة لا تُعبّر فحسب عن الارتباك الذي يشتعل في نفوس المتدينين، بل وتُعبّر أيضًا عن التصوّر الهزيل الذي يقدمه رجال الدين عن جوهر الأديان وآلية الثواب والعقاب، وهذه الارتباكات المتعددة هي ما تنتج بالطبع متطرفين ومتعصبين بل وإرهابيين يؤمنون بالعنف كأداة للتغيير، أو متعصبين دينيًا يحرمون على أبنائهم وأنفسهم أبسط متع الحياة.
فيلم بحب السيما - الأب
أما الأم فقناع الجدية والالتزام في العمل هذا تخلعه مع أول منعطف، وتبدو لنا شخصية أخرى ترغب في التحرر والانطلاق، نكتشف أن الأم كانت رسامة في الماضي وكانت تحب رسم الأجساد العارية أو الـ “nude art” كما يطلق عليه.
ما نلاحظه فعليًا هو زيف كل شخصيات الفيلم تقريبًا وأن حقيقتهم غير ما يبدون عليه، فالفتاة خالة نعيم لا تقف في الشرفة لتصلي، بل إنها تواعد لمعي الذي يطل عليها من برج الكنيسة المقابلة للشرفة، ذلك البرج هو ما يتبادلون فيه القـُبلات بينما يقنعون نعيم الذي يتلصص عليهم.
يتبدّل حالها عندما تلتقي ممدوح موجه التربية الفنية والذي يحيي بداخلها ما مات من محبّة للفَنّ وحرية الحلم والانطلاق، فتعود مرة أخرى لرسم الأجساد العارية تشجيعاً ودعماً من ممدوح وتتلبسها عقدة الذنب.
الجدة والدة الأم، رغم تظاهرها بالضيق من المجهول الذي يعاكسها في الهاتف، إلا إننا نجدها تأخذ وتعطي معه في الحديث وربما امتدّ الأمر لحديث عن تفاصيل منزلية.
الطفل نعيم.. ينظر من الثقب الضيق للعبته الصغيرة على أفيشات الأفلام، كما ينظر إلى الكون بأكمله.. بالنسبة له السينما هي الحرية، هي ذلك العالم السحري الذي ينقله من تسلّط والده وتزمته إلى عالم متسع فسيح وهو مشكلته ليست مع والده فقط، بل مع كل الأشخاص الذين يفرضون سلطة مع والده.
الأب عدلي بخيلاً فيما يخص أسرته فقط، لكنه دائم الإحسان إلى أسرته حتى وإن كانوا أغنياء، ينفق على التلاميذ الفقراء من جيبه – رغم عمله كأخصائي اجتماعي – حتى وإن كانوا يدّعون الفقر.
فيلم بحب السيما - الطفل
بينما يرى الأرثوذكس عكس ذلك، هذه الرؤية تجعل حساسية متوارية غير معلنة بين الزوج والزوجة تدفع الزوج إلى كراهية لقاء زوجته معززًا ذلك بفكرته عن الجنس أنه وسيلة لإنجاب الأولاد وليس بمتعة جسدية محضة، ويدفع “نعمات” إلى طريق الخطيئة مع الفنان التشكيلي ممدوح، لتعلن ندمها بعد تلقي خبر مرض ابنها.. والذي (بتصورها الديني المشوّه) تراه عقابًا لخطيئتها في صورة انتقام من ابنها بإمراضه.
الأم كذلك تهرب من تعصّب الزوج ومطالبته المستمرة لها بالصلاة إلى الحديث عن الفَنّ والأحلام مع الفنان ممدوح، حيث ترى فيه ضوءً أنار حياتها المعتمة بالطقوس الدينية وهوس الزوج بها.
الشقاق نفسه مع الزوج ليس في كونه متعصبًا دينيًا فحسب.. بل في اضطراب العلاقة من الأساس من جهة الزوج بسبب أن زوجته من البروتستانت، وهذا ما يضع عقبات في طريق صفاء علاقتهما الزوجية. فالزوج يرفض إقامة العلاقة الزوجية مع زوجته لأنه صائم، ويرى في زوجته شيطانًا يود اصطحابه إلى جهنم.. وذلك بسبب الخلافات العقائدية بين الأرثوذكس والبروتستانت لاسيما وأن البروتستانت يرون أن نيل الخلاص والغفران يتم لمجرد الإيمان بالمسيح دون القيام بطقوس أخرى.
كان مرض الابن هو نقطة التحول في فيلم بحب السيما حيث ينقلب عدلي إلى شخصية أكثر حبًا لزوجته.. أكثر إقبالاً على الحياة، أكثر حنانًا على ابنه، خاصة وأنه قد تلقى قبلها ضربة زلزلت إيمانه وكشفته أمام نفسه.. حيث تعرض للتنكيل من رجال الأمن بعد وشاية المدير بأنه ضد النظام، هنا يتساءل كيف يحدث هذا وهو مؤمنًا متدينًا.. هل هو يمشي في الطريق الصحيح أم الخطأ؟
فيلم بحب السيما - الزوجان
ما لم يرق لي بالفعل هو “زكي عبد الوهاب” في دور ممدوح الموّجه والفنان التشكيلي، حيث كان أداؤه للدور أقل من المقبول، وتعبيرات وجهه متجهمة سطحية لا تروق لما يعتمل بداخله أو يلفظه لسانه من مآسي، حتى انفعالاته كانت متكلفة وتعاني من قلة وعي.
مشاهد الجنس في فيلم بحب السيما كانت شديدة الاحترافية، ربما جريئة بعض الشيء.. لكن إن لم تكن بهذا الشكل كان سيصبح تقصيرًا، الموسيقى كانت مناسبة في بعض الأحيان وبعيدة عن جو الفيلم في أحيانٍ أخرى.
سيناريو هاني فوزي مكتوبًا بحرفية رائعة، وتناوله للفيلم في معظم أحداثه بشكل أقرب إلى الكوميديا السوداء كان مناسبًا جدًا خصوصًا وهو يناقش قضية شديدة الحساسية مثل هذه، وتناولها بجدية وموضوعية قد يخرجه من الهوية السينمائية للفيلم إلى مناظرات ومناقشات لاهوتية ودينية بحتة.
إخراج أسامة فوزي كان واعيًا جدًا ومتفهمًا برؤية ثاقبة لما أراد السيناريو إبرازه وذلك بعرضه في أفضل الصور الممكنة.
أرى أن الفيلم لا يقل عن أيٍ من الأفلام العالمية التي نراها وننبهر بها.. بل هو بالفعل عالمي في طرح القضية لأنه تناول مسألة قد تؤرق شرائح متعددة من المجتمعات العالمية، وليست المصرية أو العربية فحسب.. وصالحة أيضًا لكل الأديان وليست المسيحية فحسب بل وللإسلام أيضًا.
أداء رائع معتاد من محمود حميدة وليلى علوي، أبطال الفيلم، وتمثيل احترافي مدهش من الطفل يوسف عثمان، وأداء على نفس المستوى من باقي أبطال فيلم بحب السيما خاصة عايدة عبد العزيز الفنانة القديرة والتي تزداد نضجًا حد التوهج كلما مرت السنين.
ووقعت في حيرة من أمري أيضًا حيث لم أستطع تحديد مشاعر حاسمة تجاه بعض المباشرة التي وقع فيها الفيلم كحديث “عدلي” إلى نفسه في الحانة، ونظرة “نعيم” للسينما كأنها الجنة وتصوير مشهد كامل للفيلم كأنها جنة بالفعل، وهو ما يمكن استشفافه من خلال أحداث الفيلم وفي نفس الوقت ربما كانت هذه المشاهد تتويجًا لرؤية الفيلم وتكريسًا لقضيته.
فيلم بحب السيما - بوستر
واجه فيلم بحب السيما بالطبع الكثير والكثير من الانتقادات والهجوم لدرجة تقدم رجال دين وسياسيين ونواب مجلس شعب وقتها بطلبات لعدم عرضه، وذلك لما يحتويه الفيلم من وجهة نظرهم من إباحية وخلاعة وإهانة للمقدسات ورجال الدين.
يمتلئ فيلم بحب السيما بالتفاصيل التي لا أودّ سردها داخل المقال حتى لا يفسد هذا متعة الفيلم على من يود مشاهدته.
والحقيقة أن الفيلم كان جديدًا بالفعل في أسلوبه وطريقة تناوله، جديدًا وجريئًا أيضًا.. حيث أتى لتعرية نفوس أبطاله، وهذه الطريقة الجديدة من “التعرية” بعد أن كان في السابق الإيحاء والتأويل والإيماء، طريقة جديدة جدًا على المتلقي المصري والعربي عمومًا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق